بـاب { 7 } مراتب دين الإسلام

الإسلام هو الدِّين الوحيد الذي يقبله الله من العبادة .. ومعناه إسلام الوجه لله أي الاستسلام والاأنقياد له وعبادته لبلا شريك ، والكفر بالآلهة والأنداد الباطلة التي تُعبد من دونه :-

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اَلْدِّيْنَ عِنْدَ اَللهِ اَلإِسْلاْمَ[آل عمران: 19].

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ اْلإِسْلاَمِ دِيْنًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ اْلخَاسِرِينَ       [آل عمران: 85] .

وقال تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِيْ وَرَضِيْتُ لَكُمُ اَلإِسْلاْمَ دِيْناً     [المائدة: 3] .

والمسلمون هم الذين يعبدون الله ولا يشركون به شيئاً، وكفروا بالآلهة والأنداد المعبودوة من دونه بكل صور العبادة، وهم ليسوا على درجة واحدة، وإنما يتفاضلون في العلم والعمل فأاختلفت درجاتهم عند الله .

وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اَللهُ اَلَّذِيْنَ ءاآمَنُوْا مِنْكُمْ وَاَلَّذِيْنَ أُوْتُوْا اَلْعِلْمَ دَرَجَاْتٍ[المجادلة: 11].

وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَاْ اَلْكِتَاْبَ اَلَّذِيْنَ اِصْطَفَيْنَاْ مِنْ عِبَاْدِنَاْ فَمِنْهُمْ ظَاْلِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَاْبِقٌ بِاَلْخَيْرَاْتِ       [فاطر: 31] .

الظالم لنفسه: في هذه الآية هو المسلم المذنب الذي ترك واجباً أو ارتكب محرّماً من غير استحلال له، فيُقال له "مسلم" ولا يقال "مؤمن" لكونه من أهل الوعيد، أو يقال "مؤمن بإيمانه ، فاسق بكبيرته" .

وقال تعالى: ﴿وَاَلَّذِيْنَ يَرْمُوْنَ اَلْمُحْصَنَاْتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوْا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاْءَ فَاَجْلِدُوْهُمْ ثَمَاْنِيْنَ جَلْدَةً وَلاْ تَقْبَلُوْا لَهُمْ شَهَاْدَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ اَلْفَاْسِقُوْنَ[النور: 4].

وقال تعالى: ﴿بِئْسَ اَلإإِسْمُ اَلْفُسُوْقُ بَعْدَ اَلإِيْمَاْنِ[الحجرات:11]

والمسلم المذنب لا يقال له: "مؤمن كامل الإيمان" كما قالت المرجئة،.  ولايقال له:  "كافر  خارج عن الملّة" كما قالت الخوارج،. ولايقال له: "هو بمنْزلة بين المنْزلتين فلا هو كافر ولا هو مؤمن" كما قالت المعتزلة .

والمقتصد: هو المؤمن الفاعل للواجبات التارك للمحرّمات .

والسابق بالخيرات: هو المؤمن المحسن الفاعل للواجبات والمستحبات التارك للمحرّمات والمكروهات.

ومن ذلك تعرف أن للدِّين الإسلامي ثلاث مراتب، وكل مسلم يكون في مرتبة من تلك المراتب .

{1} مرتبة الإسلام

{2} مرتبة الإيمان

{3} مرتبة الإحسان

 

{أولاً} الإسلام :

إذا أراد الإنسان الكافر أن يد خل في دين الإسلام ويكون من المسلمين فعليه أن يحقق الشروط الآتية :-

(1) إعلان البراءة والتوبة من الشرك والكفر والإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله .

(2) الإقرار بشهادة أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن ما جاء به حقٌ ووحيٌ من الله .

(3) الانقياد وعدم الاستكبار عن فعل الواجبات وترك المحرّمات .

وهذه الشروط مبيِّنةٌ في الكتاب والسنة كالنصوص الآتية :

قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ[التوبة: 5].

وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّيْنِ  [التوبة: 11].

عن أبي هريرة t أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:{أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا منِّي دماءهم وأموالهم إلا بحقّها وحسابُهم على الله}.  [[مسلم]رواه مسلم].

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:{بُني الإسلام على خمسٍ، على أن يُعبد الله ويُكفر بما دونه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحجّ البيت وصوم رمضان} [متفق عليه] .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من قال "لا إله إلا الله" وكفر بما يُعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله}.[ [مسلم]رواه مسلم].

وعن أنس t أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من شهد أن لا إله إلا الله واستقبل قبلتنا وصلَّى صلاتنا وأكل ذبيحتنا فهو مسلم له ما للمسلم وعليه ما على المسلم}  [[البخاري]رواه البخاري] .

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده}[  [البخاري]رواه البخاري] .

ومتى أعلن الكافر توبته من الكفر وظهرت منه علامة تدلُّ على أنه قد تاب من الكفر فأإنه يجب الكفُّ عنه والتثبُّت في أمره، ولو كان ذلك في حال الحرب أو في دار الكفر .

وقال تعالى: ﴿يَاْ أَيُّهَاْ اَلَّذِيْنَ آمَنُوْا إِذَاْ ضَرَبْتُمْ فِيْ سَبِيْلِ اَللهِ فَتَبَيَّنُوْا وَلاْ تَقُوْلُوْا لِمَنْ أَلْقَىْ إِلَيْكُمُ اَلْسَّلاْمَ لَسْتَ مُؤْمِناً[النساء:94].

وبعد التبيُّن قد يظهر أنه "مسلم" محقِّقٌ لشروط الإسلام، فيكون له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وقد يظهر أنه كافر ثابتٌ على كفره فيكون له حكم الكافرين.

ويجب التنبُّه على أن الكفار أصناف مختلفة في العقائد والشعائر، فمنهم الوثنيون عُبَّادُ الأصنام، ومنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ومنهم أهل الانحراف والردّة عن الإسلام، فإذا أعلن الكافر للمسلمين براءته من كفر أهل ملّته كان ذلك علامة تدلُّ على إسلامه،وعندئذ يجب الكفُّ عنه حتى يختبر ويتبيّن أمره.

 

[1]  الكفُّ عن الوثني :

من المعروف أن أهل الأوثان كانوا ينكرون قول "لا إله إلا الله" لإيمانِهم بتعدد الآلهة، ولم يكونوا يصلُّون الصلاة المعروفة في الإسلام، ولم يكونوا يحيون بتحية الإسلام، فمن أظهر من أهل الأوثان هذه الشعائر وأمثالها فإنه يجب الكفُّ عنه، لأنه لم يكن يفعل ذلك في الشرك، فدلّت على أنه مريدٌ للإسلام، أما غير ذلك من شعائر الإسلام التي كانت معروفة عند أهل الأوثان في الجاهلية كأكثر شعائر الحجّ مثل: الطواف والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة، وغير ذلك فلم تكن تدلّ -إذا أظهرها الوثني- على أنه مريدٌ للإسلام تاركٌ للشرك، ولذلك جرت أحكام الإسلام على وجوب الكفّ عن المشرك الوثني بعد قوله "لا إله إلا الله" ولو لم يزد على ذلك، أو قال ما يقوم مقام كلمة التوحيد. كما دلّت على ذلك الأحاديث الآتية:

حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما لما قتل الذي قال "لا إله إلا الله" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أقال لا إله إلا الله وقتلته}؟ قال: قلت يارسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح، قال: {أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها ذلك أم لا}، فما زال يكرِّرها عليّ حتى تمنَّيتُ أنِّي أسلمتُ يومئذ" [[مسلم]رواه مسلم].

حديث أبي هريرة t الذي فيه: أن عمر قال لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال صلى الله عليه وسلم: {أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا "لا إله إلا الله" فمن قالها فقد عصم منِّي ماله ونفسه إلا بحقّه وحسابه على الله} [متفق عليه].

وحديث المقدارد t أنه قال: يارسول الله أرأيتَ إن لقيتُ رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إاحدى يديَّ بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال: "أسلمتُ" أفأقتله يارسول الله بعد أن قالها؟ قال: {لا تقتله فإن قتلتَه فإنه بمنْزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنْزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها} [رواه مسلم] .

حديث عمران بن حصين قال: "أصاب المسلمون رجلاً من بني عقيل فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إني مسلم، فقال رسول الله: {لوكنت قلت وأنت تملك أمرك أفلحت كل فلاح}. [رواه مسلم].

حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل ويأسر. وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {اللهم أني أبرأ إليك مما صنع خالد مرّتين} [[البخاري]رواه البخاري] .

فهذه الأحاديث تدلّ على وجوب الكف عن قتل الوثني إذا قال "لا إله إلا الله" أو "أسلمت لله" أو قال "أنا مسلم" ونحو ذلك، ولا تدلّ على أن الله لا يريد من الإنسان المشرك الوثني إلا النطق بكلمة التوحيد بلسانه، فالذي يريده الله من المشركين بيَّنته آية التوبة: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ أو ﴿فَإِخْوَاْنُكُمْ فِيْ اَلْدِّيْنِ﴾ .

قال أنس t: "توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربِهم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة"  [ابن جرير] .

وقال قتادة: "إن تركوا اللات والعزى وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإخوانكم في الدِّين"  [ابن جري] .

فلابدّ من ترك الآلهة المعبودة فعلاً مع النطق بكلمة الشهادة، كما فهمها السلف خلافاً لأصحاب الفهم السقيم الذين لا يشترطون "ترك الآلهة المعبودة"، ويقولون: "إن النطق وحده يكفي".

 

[2]  الكفُّ عن الكتابي :

من المعروف أنّهم كانوا يقولون "لا إله إلا الله" وينكرون محمد رسول الله، وأن الله تعالى أمر بقتالهم وهم كذلك.

قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ اْلآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُوْنَ     [التوبة: 29] .

فلم يكن قول "لا إله إلا الله" كافياً لحقن دمائهم وأموالهم ولم يكن علامة تدلّ على إرادتِهم لدخول الإسلام، لأنهم كانوا يقولون ذلك في الكفر، أما إذا قال الكتابي "أشهد أن محمداً رسول الله" فهذا يدلّ على إرادته للإسلام، وعندئذ يجب الكفّ عنه .

عن أنس t أن يهودياً قال: "أشهد أنك رسول الله" ثم مات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {صلوا على صاحبكم}  [أحمد] .

ومن أقرّ منهم بأن محمداً رسول الله كان حقّاً عليه أن يتبعه ويترك ضلالات أهل ملته في الأعتقاد وغيره .

 

[3]  الكف عن المرتدّ :

المرتد: هو كل من رجع إلى الكفر بعد إسلامه أو ورث الردّة عن أهل الردّة. والمرتدون صنفان : -

(الأول) هو من خرج عن الملّة وتبرأ من الإسلام وعاد إلى الوثنية أو اليهودية أو النصرانية، فمن كان مرتداً إلى الوثنيه لا بدّ للكفّ عنه من أن يشهد أن "لا إله إلا الله" وأن يخلع الآلهة والأوثان المعبودة من دون الله، وأن يعود إلى ما خرج منه من تكاليف الدِّين.

ومن كان مرتداً إلى اليهودية أو النصرانيه لا بدّ للكفّ عنه من أن يشهد بأن محمداً رسول الله، وأن يعود إلى ما خرج منه من تكاليف الدِّين .

(الثاني) هو من خرج عن الملّة وهو لا يزال ينتسب إلى الإسلام جهلاً وضلالاً، أو ورِث ضلالات أهل الردّة القُدماء، وهو يحسب أن ذلك من الإسلام، فمن كان من هذا النوع من المرتدين لا بدّ للكفّ عنه من أن يرجع عما اعتقده من الضلالات التي صار بِها كافراً مرتداً، فإن أبى الرجوع عن ذلك لا يكون نطقه بالشهادتين عاصماً لدمه وماله .

لذلك حرّق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب t السبئية الذين اعتقدوا فيه الألوهية وكانوا مقرّين بالشهادتين والصحابة متوافرون.

^ومثلهم الذين اتّبعوا الكذّبين المتنبئين وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، كأتباع مسيلمة الكذَّاب والمختار وهم الذين قاتلهم الصحابة وكفَّروهم .

^ومثلهم مانعو الزكاة الذين قاتلهم الصحابة بقيادة الصديق t الذي قال: "والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه" وكانوا مقرّين بالشهادتين والصلاة.

قال عبد الرحمن بن زيد: "أبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة"   وقال: "رحم الله أبابكر ما كان أفقهه" .

^ومثلهم التتار الذين أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بوجوب قتالهم وتكفيرهم، وكانوا ناطقين بالشهادتين وملتزمين لبعض شرائع الإسلام .

^ومثلهم القرامطة والطوائف الباطنية .

^ومثلهم البهائية والقاديانية وغيرهم في هذا العصر ممن يتّبعون أديان الكذَّابين المتنبئين .

^ومثلهم المؤمنون بالأديان التي اخترعها البشر كالديمقراطية والاشتراكية والقوانين الوضعية العالمية منها والمحلية التي ما أنزل الله بِها من سلطان .

هذا بيان لـ "متى يجب الكفّ عن قتل الكافر، وأما الشروط التي يجب أن يقبلها من أراد الدخول في الإسلام، من أي صنف كان من أصناف الكفار والتي لا يكون بدونِها مسلماً" فهي :

(1) الإقرار بشهادة أن "لا إله إلا الله" مع خلع جميع الآلهة المعبودة من دون الله فعلاً .

(2) الإقرار بشهادة أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن كلّ ما جاء به حقّ ووحيٌ من الله .

(3) الانقياد وعدم الاستكبار عن فعل الواجبات وعدم الاستحلال للمحرّمات، وكل من أظهر استعداده لقبول هذه الشروط يقال له "مسلم"، ويكون له حقوق المسلمين،ولا يجوز تكفيره بذنب مالم يستحلّه، ومن زعم أنه قبل تلك الشروط، ولكنه أظهر بعد ذلك المودّة والموالاة لأهل الشرك والبغض والمعاداة لأهل التوحيد فهو كافر لم يؤمن بالله واليوم الآخر .

قال الله تعالى: ﴿لاْ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ اْلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَاْدَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيْرَتَهُمْ[المجادلة: 22].

وموالاة أهل التوحيد والبراءة من أهل الشرك من معنى "لا إله إلا الله" أو من لوازمها، ومن لم يقم بذلك فقد كذب في ادعائه للإيمان والتوحيد.

 

{ثانياً} الإيمان :

هو أن يؤمن المرء ويصدِّق بكلّ ما جاء به الرسول  صلى الله عليه وسلم من الحقّ تصديقاً جازماً لا شكّ فيه، بقلبه ولسانه وجوارحه."والمؤمن الحقّ": هو الذي إذا عرف الحقّ المنَزَّل من عند الله آمن به بقلبه أي صدّق به واعتقده وأحبّه ورضِيَ به.

وآمن به كذلك بلسانه أي أقرّ به ودعا إليه.

وآمن به كذلك بجوارحه أي عمل به دائماً في خاصة نفسِه.

واعلم أن الإيمان على قسمين:

(الأول) هو أصل الإيمان، الذي يُفرّق بين "المؤمن" و "الكافر" وهذا يتمّ بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. فالمؤمن يؤمن بكل ذلك والكافر لا يؤمن بكل ذلك أو ببعضه.

قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285].

وقال تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾  [النساء: 136].

وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أصل الإيمان فقال: {أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه} [رواه مسلم].

والمؤمن يؤمن بالله بقلبه أي يعتقد أنه لا إله إلا هو ولا شريك له في ربوبيته وألوهيته، ويرضى بهذا الاعتقاد ويحبّه ويحبّ أهله وينكر الشرك بقلبه ويبغضه ويبغض أهله.

والمؤمن كذلك يؤمن بالله بلسانه أي يقرّ بكلمة التوحيد بلسانه ويدعوا إليها وينكر الشرك بلسانه ويكفر أهله ويتبرّأ منهم.

والمؤمن كذلك يؤمن بالله بجوارحه فيوالي أهل التوحيد وينصرهم ويُعادي أهل الشرك ويجاهدهم ويعمل بطاعة الله ويجتنب محارم الله.

وكما آمن المؤمن بالله بقلبه ولسانه وجوارحه فإنه يؤمن بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر بقلبه ولسانه وجوارحه. ولهذا قال السلف: "الإيمان قولٌ وعمل ونيةٌ" وقالوا: "الإيمان تصديقٌ وإقرارٌ بالقلب وقولٌ باللسان وعملٌ بالجوارح".

والكفار الذين ليس عندهم "أصل الإيمان" على أنواع :

فمنهم من في قلبه تصديق واستيقان أي صدّق وأيقن بأن الله لا إله إلا هو ولا شريك له في العبادة والطاعة، ولكنه أبغض العمل بالتوحيد واستكبر عن طاعة الله. كما فعل إبليس اللعين، قال تعالى:﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: 34]

وكما فعل "فرعون" وآله، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا[النمل: 14]

وكما فعل أبو جهل وأمثاله، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ[الأنعام: 33] .

ومنهم من يصدِّق التوحيد ورسالة الرسول بقلبه ويُقرُّ ذلك بلسانه ولا يُظهرُ البغض. ولكنه ترك العمل بالتوحيد وطاعة الله خوفاً من زوال الملك أو المعرّة في الدنيا.. كما فعل أبو طالب وهرقل.

ومنهم من يقرّ بالتوحيد وصِدْقِ الرسول بلسانه ويعمل بطاعة الله في الظاهر ولكن في قلبهِ شكٌّ أو بغضٌ للحقّ ولأهل الحقّ أو استحباب الحياة الدنيا على الآخرة وهؤلاء هم المنافقون، قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ[آل عمران: 167].

﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ[المنافقون: 1] .

إذا عرفتَ أنّ أصل "الإيمان" الذي يُفرّق بين أهل الإيمان وأهل الكفر هو: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر " فاعرف كذلك وجوب الإيمان بهذه الأصول مجتمعة، فمن كفر ببعضها فقد كفر بجميعها، فمن أنكر توحيد العبادة لله لاينفعه إيمانه برسالة الرسول وبالبعث والحساب ومن شكّ في صِدق الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينفعه إيمانه بالله بالتوحيد والإخلاص. ومن أنكر البعث والحساب أو أنكر القرآن أو الملائكة لا ينفعه إيمانه بباقي هذه الأصول. ولذلك صارت اليهود والنصارى كفاراً وهم يزعمون الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لأنّ ذلك الزعم كان باطلاً لأسباب معلومة:

(منها) أنَّ إيمانهم بالله لم يصحّ لأنهم كانوا يشركون بالله بإتخاذهم الأنبياء والصالحين آلهة تعبد، وطاعتهم للأحبار والرهبان في المعاصي: قال تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 31].

(ومنها) أن إيمانهم بالله لم يصحّ لأنهم كانوا يكفرون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً. أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [النساء: 150-151].

وقد رأيت -في الدروس السابقة- كيف أن مشركي العرب كانوا يُقرُّون بوجود الله ويزعمون أنهم على ملّةِ رسول الله إبراهيم عليه السلام، وأنهم كانوا يقدّمون بعض العبادات لله تعالى .. ورأيت كيف اعتبرهم الله كفاراً مشركين.

قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106] .

فدلّ ذلك على أن الإيمان بالله لا يصحُّ ولا يتمّ إلا بالبراءة من الشرك وأهله، وأن من زعم الإيمان بالله مع الشرك بالله فزعمه مردودٌ عليه ولا يقبله الإسلام.

قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ...﴾  [الممتحنة: 4].

قال الإمام الطبري: ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ يقول : "حتى تصدّقوا بالله وحده فتوحدوه وتفردوه بالعبادة".

وكما أن الإيمان بالله لا يصحّ مع الشرك بالله فكذلك الإسلام الظاهر لله لا يصحّ مع الشرك بالله، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من قال لا إله إلاّ الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابه على الله عزّ جلّ} . [رواه مسلم] .

{الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان} [متفق عليه].

فمن هنا تظهر لك أهمية قضية التوحيد إذ لا يصحّ بدونها إيمان وإسلام.

(والثاني) هو الإيمان الواجب الذي يُفرّق بين المؤمن المقتصد وبين المسلم الظالم لنفسه. وهو فعل الواجبات وترك المحرّمات. ففاعلُ الواجبات التارك للمحرّمات أفضل إيماناً من التارك لبعض الواجبات أو الفاعل لبعض المحرّمات، لأن الأعمال من الإيمان فمن ازداد منها ازداد إيمانه ومن أخلّ ببعضها نقص إيمانه. فيوصف بأنه "فاسق بكبيرته" ولم يخرج من أصل الإيمان إلى الكفر بالله بذنبه إذا لم يكن مستحلاً له قد زالت من قلبه كراهية الكفر والفسوق والعصيان، أما إذا لم يكن كذلك وكان محبّاً للإيمان وكان في قلبه إيمانٌ يدفع الذنوب ويجاهدُها فلا يكون كافراً بمجرد ارتكابه للحرام.

قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: 7].

وقد وصف الله تعالى ورسوله المؤمنين بفعل الواجبات والاجتناب عن المحرّمات ..

قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَاْ اَلْمُؤْمِنُوْنَ اَلَّذِيْنَ إِذَاْ ذُكِرَ اَللهُ وَجِلَتْ قُلُوْبُهُمْ وَإِذَاْ تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاْتُهُ زَاْدَتْهُمْ إِيْمَاْناً وَعَلَىْ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُوْنَ. اَلَّذِيْنَ يُقِيْمُوْنَ اَلْصَّلَواْةَ وَمِمَّاْ رَزَقْنَاْهُمْ يُنْفِقُوْنَ. أُوْلَئِكَ هُمُ اَلْمُؤْمِنُوْنَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاْتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ  كَرِيْمٌ  [الأنفال: 2-4] .

وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون[الحجرات: 15].

عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأدى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان} [متفق عليه].

وقد نفى الله ورسوله اسم الإيمان عمن قصر عن أداء الواجبات أو ارتكب المحرّمات .

قال تعالى: ﴿قَاْلَتِ اَلأَعْرَاْبُ آمَنَّاْ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوْا وَلَكِنْ قُوْلُوْا أَسْلَمْنَاْ وَلَمَّاْ يَدْخُلِ اَلإِيْمَاْنَ فِيْ قُلُوْبِكُمْ وَإِنْ تُطِيْعُوْا اَللهَ وَرَسُوْلَهُ لاْ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَاْلِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اَللهَ غَفُوْرٌ رَحِيْمٌ[الحجرات: 14] .

عن سعد بن أبي وقاص t أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رهطاً وسعد جالس فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً هو أعجبهم إليّ فقلت: "يارسول الله مالك عن فلان فوالله إني لآراه مؤمناً" فقال: {أو مسلماً}، فسكتُ قليلاً، ثم غلبني ما أعلم منه، فعدتُ لمقالتي فقلت: "مالك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنا" فقال: {أو مسلماً}، ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي، وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال: {يا سعد إني لأعطي الرجل وغيره أحبّ إليّ منه خشية أن يكبّه الله في النار} [متفق عليه] .

وعن أبي هريرة t أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربُها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرقها وهو مؤمن، ولا ينتهب نُهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن}    [متفق عليه] .

وعن أنس t أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين} [متفق عليه] .

وعنه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه} [متفق عليه] .

وعن أبي سعيد الخدري t قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {من رأى منكم منكراً فليغيرِّه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه،فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان}[[مسلم]رواه مسلم]

وعن أبي شريح t أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن}، قيل ومن يارسول الله؟. قال: {الذي لا يأمن جاره بوائقه} [[البخاري]رواه البخاري] .

وعن أبي هريرة t أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، أولا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم} [[مسلم]رواه مسلم] .

مما تقدم يتبيّن أن المؤمن هو المسلم الفاعل للواجبات التارك للمحرّمات. وقد وعد الله الجنة من مات على ذلك. والإيمان يتفاضل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

قال تعالى: ﴿وَعَدَ اَللهُ اَلْمُؤْمِنِيْنَ وَاَلْمُؤْمِنَاْتِ جَنَّاْتٍ تَجْرِيْ مِنْ تَحْتِهَاْ اَلأَنْهَاْرُ خَاْلِدِيْنَ فِيْهَاْ وَمَسَاْكِنَ طَيِّبَةً فِيْ جَنَّاْتِ عَدْنٍ وَرِضْوَاْنٍ مِنَ اَللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيْمُ[التوبة: 72].

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ اْلفِرْدَوْسِ نُزُلاً. خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً   [الكهف: 107-108] .

وقال تعالى:﴿وَيَزِيْدُ اَللهُ اَلَّذِيْنَ اِهْتَدَوْا هُدىً وَاَلْبَاْقِيَاْتُ اَلْصَّاْلِحَاْتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاْباً وَخَيْرٌ مَرَدّاً      [مريم: 76] .

وقال تعالى: ﴿وَإِذَاْ مَاْ أُنْزِلَتْ سُوْرَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُوْلُ أَيُّكُمْ زَاْدَتْهُ هَذِهِ إِيْمَاْناً فَأَمَّاْ اَلَّذِيْنَ آمَنُوْا فَزَاْدَتْهُمْ إِيْمَاْناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُوْنَ. وَأَمَاْ اَلَّذِيْنَ فِيْ قُلُوْبِهِمْ مَرَضٌ فَزَاْدَتْهُمْ رِجْساً إِلَىْ رِجْسِهِمْ وَمَاْتُوْا وَهُمْ كَاْفِرُوْنَ    [التوبة: 124-125] .

عن أنس t عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ثلاث من كنَّ فيه وجد بِهنّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، وأن يحبّ المرء لا يحبّه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله كما يكره أن يُقذف في النار} [متفق عليه] .

وعن أبي الدرداء t قال: "إن من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه ومانقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد الإيمان أم ينقص، وإن من فقه الرجل أن يعلم نزغات الشيطان أني تأتيه"     [أحمد] .

 

 

{ثالثاً} الإحسان :

الإحسان: هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك .

والمحسنون هم الذين فعلوا الواجبات والمستحبات وتركوا المحرّمات والمكروهات .

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اَلْمُتَّقِيْنَ فِيْ جَنَّاْتٍ وَعُيُوْنٍ. آخِذِيْنَ مَاْ آتَاْهُمْ رَبَّهُمْ إِنَّهُمْ كَاْنُوْا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِيْنَ. كَاْنُوْا قَلِيْلاً مِنَ اَلْلَّيْلِ مَاْ يَهْجَعُوْنَ. وَبِاَلأَسْحَاْرِ هُمْ يَسْتَغْفِرُوْنَ. وَفِيْ أَمْوَاْلِهِمْ حَقٌّ لِلْسَّاْئِلِ وَاَلْمَحْرُوْمِ[الذاريات: 15-19].

وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنَ نَبَيٍّ قَاْتَلَ مَعَهُ رِبِّيُوْنَ كَثِيْرٌ فَمَاْ وَهَنُوْا لِمَاْ أَصَاْبَهُمْ فِيْ سَبِيْلِ اَللهِ وَمَاْ ضَعُفُوْا وَمَاْ اِسْتَكَاْنُوْا وَاللهُ يُحِبُّ اَلْصَّاْبِرِيْنَ. وَمَاْ كَاْنَ قَوْلَهُمْ إِلاْ أَنْ قَاْلُوْا رَبَّنَاْ اِغْفِرْلَنَاَ ذُنُوْبَنَاْ وَإِسْرَاْفَنَاْ فِيْ أَمْرِنَاْ وَثَبِّتْ أَقْدَاْمَنَاْ وَاَنْصُرْنَاْ عَلَىْ اَلْقَوْمِ اَلْكَاْفِرِيْنَ. فَآتَاْهُمُ اَللهُ ثَوَاْبَ اَلْدُّنْيَاْ وَحُسْنَ ثَوَاْبِ اَلآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِيْنَ     [آل عمران: 146-148] .

وقال تعالى: ﴿وَاَلَّذِيْنَ جَاْهَدُوْا فِيْنَاْ لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاْ وَإِنَّ اَللهَ لَمَعَ اَلْمُحْسِنِيْنَ[العنكبوت: 69] .

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيْناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاْهِيْمَ حَنِيْفاً وَاَتَّخَذَ اَللهُ إِبْرَاْهِيْمَ خَلِيْلاً   [النساء: 125] .

وقال تعالى: ﴿وَلاْ تُفْسِدُوْا فِيْ اَلأَرْضِ بَعْدِ إِصْلاْحِهَاْ وَاَدْعُوْهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اَللهِ قَرِيْبٌ مِنَ اَلْمُحْسِنِيْنَ    [الأعراف: 56] .

وقال تعالى عن يوسف عليه السلام: ﴿وَلَمَّاْ بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاْهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِيْ اَلْمُحْسِنِيْنَ   [يوسف: 22] .

وقال تعالى عن موسى عليه السلام: ﴿وَلَمَّاْ بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاَسْتَوَىْ آتَيْنَاْهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِيْ اَلْمُحْسِنِيْنَ[القصص: 14].

وقال تعالى: ﴿وَمَاْ تَكُوْنُ فِيْ شَأْنٍ وَمَاْ تَتْلُوْا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلاْ تَعْمَلُوْنَ مِنْ عَمَلٍ إِلاْ كُنَّاْ عَلَيْكُمْ شُهُوْداً إِذْ تُفِيْضُوْنَ فِيْهِ وَمَاْ يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَاْلَ ذَرَّةٍ فِيْ اَلأَرْضِ وَلاْ فِيْ اَلْسَّمَاْءِ وَلاْ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلاْ أَكْبَرَ إِلاْ فِيْ كِتَاْبٍ مُبِيْنٍ. أَلاْ إِنَّ أَوْلِيَاْءَ اَللهِ لاْ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاْ هُمْ يَحْزَنُوْنَ. اَلَّذِيْنَ آمَنُوْا وَكَاْنُوْا يَتَّقُوْنَ. لَهُمْ اَلْبُشْرَىْ فِيْ اَلْحَيَاةِ اَلْدُّنْيَاْ وَفِيْ اَلآخِرَةِ لاْ تَبْدِيْلَ لِكَلِمَاْتِ اَللهِ ذَلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيْمُ              [يونس: 60-64] .

 وفي حديث جبريل قال: فأخبرني عن الإحسان قال: {أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك} [[مسلم]رواه مسلم].

عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب،وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بِها ورجله التي يمشي بِها، وإن سألني أعطيته ولئن استعاذني لأعيذنّه} [[البخاري]رواه البخاري] .

وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: {إذا أحبّ الله تعالى عبداً نادى جبريل: إنّ الله تعالى: يحبّ فلاناً فأحبّه، فيحبه جبريل ثم ينادي في أهل السماء: أن الله تعالى يحب فلاناً فأحبّوه فيحبّه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبداً دعا جبريل: فيقول إني ابغض فلاناً فأبغضه فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء أن الله يبغض فلاناً فأبغضوه ثم توضع له البغضاء في الأرض}    [[مسلم]رواه مسلم].

عن عمر بن الخطاب t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إنّ من عباد الله أناساً ماهم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانِهم من الله، قالوا: يارسول الله أخبرنا من هم، قال:{هم قومٌ تحابّوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونَها، فوالله إن وجوههم لنور وإنّهم على نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس، وقرأ هذه الآية ﴿أَلاْ إِنَّ أَوْلِيَاْءَ اَللهِ لاْ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاْ هُمْ يَحْزَنُوْنَ  [أبو داوود] .

 

I   I   I