(8)
احتمالات الطريق
إن المسلمين عليهم
أن يسلكوا الطريق كما أمر الله عليهم أن يتبرءوا من أهل الشرك والجاهلية وأن
يدعوهم إلى الإسلام، وأن يجتمعوا على آصرة العقيدة ويتآخوا في الله وأن يصبروا على
الأذى والفتن المتنوّعة الآتية من قِبل أهل الشرك والضلال. وعليهم أن يجاهدوا في
الله حقّ جهاده، وأن يبذلوا الأنفس والأموال في سبيل الله حتى لا تكون فتنة ويكون
الدِّين كلّه لله، وعليهم بعد ذلك أن يستسلموا لقدر الله ويعلموا أن الله يفعل ما
يريد، وأن النصر بيده وأنه هو الذي يحدِّد نتيجة الصراع القائم بين أوليائه
وأعدائه .. وليس لهم من الأمر شيء ولكن الأمر كله لله. إنهم إذا أدّوا ما عليهم
وبذلوا أقصى جهدهم فقد نالوا مرادهم وفازوا برضى الله وجنته فلا تهمّهم حينئذ
نتيجة الصراع ولمن تكون الدائرة في هذه الجولة.
قال سيـد قطب في
كتاب "معالم في الطريق":
"هناك إشعاع
آخر تطلقه قصة أصحاب الأخدود وسورة البروج حول طبيعة الدعوة إلى الله وموقف
الداعية أمام كل احتمال، لقد شهدت تاريخ الدعوة إلى الله نماذج منوعة من نهايات في
الأرض مختلفة للدعوات شهد مصارع قوم نوح وقوم هود وقوم شعيب وقوم لوط ونجاة الفئة
المؤمنة القليلة العدد مجرّد النجاة ولم يذكر القرآن للناجين دور بعد ذلك في الأرض
في الحياة. وهذه النماذج تقرِّر أن الله سبحانه وتعالى يريد أحياناً أن يعجّل
للمكذّبين الطغاة بقسط من العذاب في الدنيا أما الجزاء الأوفى فهو مرصود لهم هناك.
وشهد تاريخ الدعوة
مصرع فرعون وجنوده ونجاة موسى وقومه، مع التمكين للقوم في الأرض فترة كانوا فيها
أصلح ما كانوا في تاريخهم وإن لم يرتقوا قط إلى الاستقامة الكاملة، وإلى إقامة دين
الله في الأرض منهجاً للحياة شاملاً، وهذا نموذج غير النماذج الأولى. وشهد تاريخ
الدعوة كذلك مصرع المشركين الذين استعصوا على الهدى والإيمان بمحمد صلى الله عليه
وسلم وانتصار المؤمنين انتصاراً كاملاً مع انتصار العقيدة في نفوسهم انتصاراً
عجيباً. وتم للمرّة الوحيدة في تاريخ البشرية أن أقيم منهج الله مهيمناً على
الحياة في صورة لم تعرفها البشرية قط من قبل ولا من بعد.
وشهد كما رأينا
نموج أصحاب الأخدود، وشهد نماذج أخرى أقلّ ظهوراً في سجل التاريخ الإيماني القديم
والحديث، وما يزال يشهد نماذج تتراوح بين هذه النهايات التي حفظها على مدار
القرون. ولم يكن بد من النموذج الذي يمثله حادث الأخدود إلى جانب النماذج الأخرى
القريب منها والبعيد. لم يكن بدّ من هذا النموذج الذي لا ينجوا منه المؤمنون ولا
يؤخذ فيه الكافرون، ذلك ليستقرّ في حسّ المؤمنين -أصحاب الدعوة إلى الله- أنهم قد
يُدعون إلى نهاية كهذه النهاية في طريقهم إلى الله، وأن ليس لهم من الأمر شيء إنما
أمرهم وأمر العقيدة إلى الله.
إن عليهم أن يؤدوا
واجبهم ثم يذهبوا، وواجبهم أن يختاروا الله وأن يؤثروا العقيدة على الحياة وأن
يستعلوا بالإيمان على الفتنة وأن يصدقوا الله في العمل والنية ثم يفعل الله بهم
وبأعدائهم كما يفعل بدعوته ودينه ما شاء. وينتهي بهم إلى نهاية من تلك النهايات
التي عرفها تاريخ الإيمان. أو إلى غيرها مما يعلمه هو ويراه إنهم أجراء عند الله
أينما وحيثما وكيفما أرادهم أن يعملوا عمِلوا وقبضوا الأجر المعلوم وليس لهم ولا
عليهم أن تتّجه الدعوة إلى أيّ مصير، فذلك شأن صاحب الأمر لا شأن الأجير". [هذا هو الطريق].
هذا مع أن وعد الله
قاطعٌ في انتصار المؤمنين واستخلافهم في الأرض، ولكن الله هو الذي يحدِّد الوقت
المناسب لهذا النصر ويحدِّد الجيل الذي يتمّ هذا النصر بأيديهم.
قال تعالى: ]وعد الله الذين
آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم
وليمكِّننَّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدّلنّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا
يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون[ [النور: 55].
وقال تعالى: ]ولقد سبقت كلمتنا
لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإنَّ جندنا لهم الغالبون[ [الصافات:
171-173].
وقال تعالى: ]ولقد كتبنا في
الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون. إن في هذا لبلاغلاً لقوم
عابدين وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين[ [الأنبياء:
105-107].
وقال تعالى: ]إن الذين يحادّون
الله ورسوله أولئك في الأذلّين كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي إن الله قويٌّ عزيز[ [المجادلة: 20].
وقال تعالى: ]ولقد أرسلنا من
قبلك رسلاً إلى قومهم فجاءوهم بالبيّنات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقّاً
علينا نصر المؤمنين[ [الروم: 47].