الجاهلية
كلمة الجهل هي مصدر "جهِل يجهل
جهلاً". وكلمة الجهل يراد منها معنيان في لغة العرب:
عدم العلم
عدم اتّباع العلم
والجاهل هو الذي لا يعلم حقيقة شيء كما
قال تعالى: ]يحسبهم الجاهل أغنياء
من التعفف[ [البقرة:
273] .
والجاهل كذلك هو الذي يعلم الحقيقة ولا
يتّبعها كما في قوله تعالى:]قال أعوذ بالله أن
أكون من الجاهلين[ [البقرة:67].
وقال تعالى: ]قال هل
علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون[ [يوسف: 89] .
وقال تعالى: ]وإلاّ تصرف
عنِّي كيدهنّ أصب إليهن وأكن من الجاهلين[ [يوسف: 33] .
وقال تعالى: ]قالوا يا
موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قومٌ تجهلون[ [الأعراف: 138] .
وجهِل عليه: معناه اعتدى عليه وظلمه كما
في الحديث: "اللّهم إنِّي أعوذ بك أن أضلَّ أو أُضلّ أو أزلّ أو أُزلّ أو
أظلم أو أُظلم أو أجهل أو يُجهل عليَّ" [أهل السنن] .
وكما قال الشاعر الجاهلي {عمرو بن
كلثوم}
ألا
لا يجهلنّ أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا .
والجاهلية: اصطلاح قرآنيّ يراد منه عدم
اتّباع ما أنزل الله من العلم في العقائد والأحكام والأخلاق. كما قال تعالى: ]أفحكم
الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون[
[المائدة: 5].
وقال تعالى: ]يظنّون
بالله غير الحق ظن الجاهلية[ [آل عمران:
154] .
وقال تعالى: ]إذ جعل
الذين كفروا في قلوبهم الحمية حميّة الجاهلية[ [الفتح: 26]
.
وقال تعالى: ]ولا تبرّجن
تبرّج الجاهلية الأولى[ [الأحزاب: 33] .
والجاهلية هي ضدّ الإسلام. لأنّ الإسلام
الذي جاءت به رسل الله هو: اتّباع ما أنزل الله من العلم في العقائد والأحكام
والأخلاق والكفر بما يخالف هذا العلم من هوى البشر .
قال تعالى: ]فمن يكفر
بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم[ [البقرة: 256].
وقال تعالى: ]والذين
اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشِّر عباد[ [الزمر: 17].
والإنسان المسلم قد تكون فيه خصلة من
خصال الجاهلية. ولا ينتقض أصل إسلامه بذلك ما لم يكن مستحلاًّ للمخالفة، ولذا جاز
أن يُقال للمسلم المخالف "إن فيه جاهلية" كما تدلّ على ذلك الأحاديث
النبوية:
قال صلى الله
عليه وسلم لأبي ذر الغفاري t : "إنّك امرؤ فيك
جاهلية" [متفق عليه] .
وذلك
لما عيّر رجلاً بأمه وقال: يا ابن السوداء.
وقال
صلى الله عليه وسلم: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا
يتركونهنّ: الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم
والنياحة" [مسلم]
.
وهذه
الأحاديث كالأحاديث التي تبيّن أن المسلم قد تكون فيه شعبة من شعب الكفر، وذلك إذا
هو ارتكب محرماً أو ترك واجباً مثل:
قال
صلى الله عليه وسلم: "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض" [متفق عليه].
وقال
صلى الله عليه وسلم: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" [متفق عليه] .
فدلّت
الأحاديث الصحيحة على أن المسلم قد تكون فيه خصلة من خصال الجاهلية أو شعبة من شعب
الكفر. ولا فرق بين العبارتين، لأن الجاهلية هي الكفر بالله; فمرتكب الكبيرة إذاً فيه جاهلية أو فيه كفر. وليس المراد من ذلك
أنه خرج عن الملّة بمجرّد ارتكابه لها .
أما من أختار شرائع الجاهلية على شريعة
الله وترك ما أنزل الله من العلم في العقائد أو الأحكام أو الأخلاق، فلا يكون إلاّ
كافراً خارجاً عن ملّة الإسلام وإن صلّى وصام وزعم أنه مسلم. ومن جادل عنه لا يكون
إلاّ مجادلاً بالباطل: ]ويُجادل الذين كفروا
بالباطل ليدحضوا به الحقّ[ [الكهف: 56]
.
فمن المجادلين عن أهل الجاهلية من يقول:
"إن من صحّ اعتقاده لا يكون باتّباعه وعمله بتشريع غير الله" .
وهي شبهة مضلِّة ينخدع بها قليلوا
المعرفة بالإسلام، والأدلّة التي تجيب عنها كثيرة جدّاً، ويستطيع المسلم أن يعرف
بُعدها عن الحقيقة وضلالها من وجوه كثيرة، إذا تدبّر النصوص القرآنية والأحاديث
النبوية الصحيحة وما اجتمع عليه المسلمون في القرون المفضَّلة، ويكفي في ردّ هذه
الشبهة وإبطالها وجه واحدٌ من أوجه الأدلّة الصحيحة الآتية منها :
بيّن
القرآن أن المتبِّع لتشريع غير الله النابذ لشريعة الله ليس من الذين أخلصوا
الألوهية لله، وإنما هو يعبد "إلهاً" و"رباً" غير الله .
قال تعالى: ]اتّخذوا
أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلاّ ليعبدوا
إلهاً واحداً لا إله إلاّ هو سبحانه عما يشركون[
[التوبة: 31] .
وقد فسّر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الاتّخاذ للأرباب بطاعة العلماء في
التحليل والتحريم المخالف لأمر الله كما ثبت في حديث عدي بن حاتم الطائي t .
وقال
تعالى: ]قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ
نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتّخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن
تولّوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون[ [آل عمران: 64].
وقال
تعالى: ]أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدِّين ما لم يأذن به الله[ [الشورى: 21].
فصرحت
الآيات بأن المتّبع لتشريع غير الله قد عبدوا "إلها" و "رباً"
غير الله، ولم يحقّق التوحيد المأمور به، فصار من المشركين، ولا فرق بينه وبين
الذين يعبد المسيح ابن مريم ويستغيث به في جلب المنفعة أو دفع المضرّة. ولما وقعت
اليهود والنصارى في هذا النوع من الشرك لم ينفعهم انتسابهم إلى الإسلام لله
واتّباع ملّة إبراهيم وموسى عليهم السلام.
فدلّ
ذلك على أن من وقع فيما وقعوا فيه من الشرك من هذه الأمة لا ينفعه انتسابه إلى
الإسلام لله واتّباع ملّة محمّد صلى الله عليه وسلم ، لأنه ليس بين الله وبين أحد
من خلقه نسب، وإنما يتفاضل الناس في الإيمان والاستقامة وتحقيق العبودية لله بلا
شريك. فإذا عرفت هذا أن "أهل التوراة" أصبحوا مشركين بتقديمهم آراء
العلماء على كتاب الله. فمن الجهل والغباوة الظنّ بأن "أهل القرآن"
سيظلُّون مسلمين غي مشركين وهم يقدّمون آراء الكفار الجهال على كتاب الله في باب
التشريع والتقنين للعباد .
وإذا عرفت من كتاب الله أن اتّباع غير الله في التشريع شرك مخرج عن الملّة، فاعرف أيضاً أن المشرك لا يكون أبداً صحيح الاعتقاد، ولا بدّ من
أن يكون في قلبه من الشكّ والاستكبار ما
جعله يفضِّل شرائع الكفرة على شريعة الله. وإذا كان هذا التابع لتشريع غير الله
عالماً بالإسلام وما جاء به من العقائد والأحكام علماً نظرياً، فإن ذلك لا ينفعه
شيئاً ولا يصير به مسلماً حتى يعتقده. فإن هناك فرقاً بين المعرفة النظرية
والاعتقاد الجازم المنشئ للتطبيق والعمل.
فمن هنا تعرف فساد قولهم: "إنّ من
صحّ اعتقاده لا يكفر باتّباعه وعمله بتشريع غير الله" . لأنه لا يتّبع ويعمل
بتشريع غير الله مع وجود تشريع الله إلاّ الكافرون المشركون الشاكون المستكبرون.
ومنها :
قصة إبليس اللّعين،
هذه القصة المذكورة في القرآن في عدّة مواضع للاتّعاظ والاعتبار، فقد أخبرانا الله
أن هذا المخلوق كان قبل كفره مع الملائكة عباد الرحمن المسبِّحين باللّيل والنهار،
الذين لا يسأمون، وأنه أصبح كافراً خارجاً عن الإسلام لما أبى واستكبر عن الانقياد
لحكم واحد من أحكام الله.
قال تعالى: ]وإذ قلنا
للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين[ [البقرة: 34]
وقال تعالى: ]إلاّ إبليس
قال أأسجد لمن خلقت طيناً[
[الإسراء: 61] .
وقال تعالى: ]قال أنا
خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين[
[الأعراف: 19] .
فدلّت القصة على أن من ردّ أمر الله
واستكبر عن الانقياد لحكم واحد من أحكامه واتّخذ خلافه منهجاً يستحسنه فإنه يصير
بذلك كافراً خارجاً عن ملّة الإسلام، مهما كانت معرفته بالله وملائكته وكتبه ورسله
واليوم الآخر عظيمة، كمعرفة إبليس، فإنه كان ذا معرفة عظيمة بالله، وقد خاطب الله
بالربوبية والخلق قائلا: ]رب أنظرني[ وقال: ]خلقتني من
نار[ . وكان كذلك عارفاً بالمعاد معترفاً بقدرة الله على بعث الأجساد،
فقال: ]أنظرني إلى
يوم يبعثون[ [الأعراف: 14] .
وكان كذلك عارفاً بالملائكة، وكان من
بينهم لما صدر من الله الأمر بالسجود لآدم عليه السلام ]فسجد
الملائكة كلّهم أجمعون إلاّ إبليس أبى أن يكون مع الساجدين[ [الحجر: 30-31] .
وهو كذلك عارف بالحقّ الذي أنزله الله
في كتبه على ألسنة رسله، وكان ولم يزل في معركة ضدّ رسل الله والمؤمنين يريد أن يريد أن يصرف الناس عن الصراط
المستقيم وهو القائل: ]فبما أغويتنا لأقعدنّ
لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم
ولا تجد أكثرهم شاكرين[ [الأعراف:
16-17] .
ومع معرفته هذه لُعن وطُرد من رحمة الله وصار رأساً في الكفر لما أبى واستكبر عن تنفيذ أمر واحد من أوامر الله، ثم تمحّض بعد
ذلك للشرّ والإغواء .
فإذا كان ذلك كذلك فكيف يكون المستكبرون
المعاصرون أحسن حالاً وأكرم منْزلة من إبليس اللّعين، وهم لا يعرفون أصول الإيمان
كمعرفته، ولا يخالفون أمراً واحداً كما وقع منه، وإنما هم يخالفون كتاب الله
المليء بالأوامر والنواهي، ويرمونه بالجمود والعجز عن مسايرة الواقع بلسان الحال
أو المقال، ويستحلُّون قيادة الأمم والجماعات بآراء وكتب ما أنزل الله بِها من
سلطان.
ولا شكّ في كون سيئاتهم من سيئات إبليس
داعيهم إلى الشرك والضلال. ولكن ينبغي أن لا ننسى أن عدوّ الله صار كافراً بأقلّ
مما يصرُّون عليه وهم يزعمون أنهم مسلمون.
أما قصة آدم عليه السلام وأكله من
الشجرة المحرّمة فإنها تدلّ على أن المؤمن قد يغفل وينسى فيقع في الحرام وهو لا
ينوي الكفر واستحلال المحرّمات، وتدلّ على أن الله يقبل توبة التائبين : ]وهو الذي
يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون[
[الشورى: 25] .
والمؤمن الواقع في الحرام التائب من
الذنب يشبه من غشيه ظلام اللّيل فحجبه عن رؤية الطريق فعدل عن ثم جاء من الله نور
يكشف الظلمات فأبصر به الطريق فعاد من قريب. ]إن الذين
اتّقوا إذا مسَّهم طائف من الشيطان تذكّروا فإذا مبصرون[ [الأعراف: 201] .
ومنها
قول الله تعالى عن الحاكمين بغير ما
أنزل الله ]ومن لم يحكم بما أنزل
الله فأولئك هم الكافرون[ [المائدة: 44] .
فقد صرحت الآية بكفر الحاكم الذي لا يلتفت إلى أحكام الله وإنما يحكم بين الناس بِهواه أو هوى غيره، جاعلاً ذلك شريعة لهم واجبة الاتّباع في حدود حكمه وسلطانه كما هو واقع من الحكام في هذا العصر. ولم يكن بين علماء المسلمين في جميع العصور اختلاف في كفر الداعي إلى اتّباع أحكام التوراة أو الإنجيل التي بأيدي أهل الكتاب، ونبذ أحكام القرآن. ولا في كفر
المسجيب لمثل هذه الدعوة، بل إن ذلك كان
من المعلوم بالإضرار من دين الإسلام الذي تعلمه الخاصة والعامة .
والحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله
في هذا العصر يتركون القرآن ويتّبعون النظم والقوانين الوضعية المستوردة من أهل
الغرب المنسلخين من الدِّين الكافرين بالله علانية. والآية ليست خاصة ببني إسرائيل
كما يظنّه بعض الناس، وإنما هي تقرير إلهيٌّ لا يتقيّد بزمن ولا مكان. ولقد سمع
حذيفة بن اليمان t من يقول هذه المقالة فردّها قائلاً: "نعم الاخوة لكم بنوا
إسرائيل، إن كانت لهم كل مرّة ولكم كلّ حلوة، كلاّ والله لتسلكنّ طريقهم قدر
الشراك . [ابن جرير] .
وعن إبراهيم النخعي أنه قال عن هذه
الآية: ]ومن لم
يحكم بما أنزل الله فألئك هم الكافرون[ "نزلت في بني إسرائيل، ورضي لكم
بها" [ابن جرير] .
والدساتير الوضعية التي يحكمون بِها في
هذا الزمن تشبه "الياسق" الذي وضعه "جنكزخان "، والذي قال عنه
الإمام ابن كثير في تفسيره: "فمن فعل ذلك فهو كافرٌ يجب قتاله حتى يرجع إلى
حكم الله ورسوله، فلا يحكّم سواه في قليل ولا كثير".
أما الحاكم المسلم الذي يحكم بما أنزل
الله ولا يعتقد شريعة مخالفة لشريعة الله إذا جار في قضية بين اثنين فحابى أحدهما
وظلم الآخر أو عاقب أحداً بشبهة أو ظنّ فهو آثم ظالم مرتكب للكبيرة ولا يخرج من
الملّة حتى يستحلّ ذلك ويتّخذه شريعة مقدّمة على شريعة الله، وعن مثل هذا الحاكم
المسلم قال ابن عباس رضي الله عنهما: "هي به كفرٌ وليس كفراً بالله وملائكته
وكتبه ورسله" [ابن جرير] .
وقال عطاء: "كفرٌ دون كفرٍ وفسق
دون فسق وظلم دون ظلم"
[ابن جرير] .
وقال طاوس: "ليس بكفر ينقل عن
الملّة" . [ابن جرير] .
هذه عن الحكم بغير ما أنزل الله، أما
التحاكم إلى شريعة غير شريعة الله فقد قال الله عن الحاكمين: ]ألم تر إلى
الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى
الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به[ [النساء: 60].
إلى أن قال: ]فلا وربك
لا يؤمنوا حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت
ويسلّموا تسليماً[ [النساء: 65]
.
وقد نزلت هذه الآيات فيمن لم يرض بحكم
الله في قضية معينة، فدلّت على نفاق أولئك القوم، وأن ما يدّعونه من الإيمان زعم
باطل لا حقيقة له.
ووجهت الآيات أنظار المؤمنين نحوهم
ليكونوا منهم على حذر واحتراز، ولا ينخدعوا بدعاويهم الكاذبة واعتذاراتهم بحسن
القصد والنية.
]يحلفون بالله إن أردنا
إلاّ إحساناً وتوفيقاً[ [النساء: 69]
.
وإذا بيّن الله نفاق قوم فقد بيّن كفرهم
وعدم إيمانهم. إلاّ أن للمنافقين أحكاماً خاصة بهم يُعاملون على أساسها في الدنيا،
وهي تخالف أحكام الكفار الذين يصرحون ويظهرون ولا ينافقون.
والذين نبذوا كتاب الله في هذه الجاهلية
الحديثة ليس كفرهم كفر نفاق، وإنما هو كفر ظاهر وردّة صريحة. فهم :
(أولاً) يعلنون أن التشريع يتطور كما
تتطور الآلات والصناعات، ومعنى العمل بكتاب الله وتلقي التشريع منه هو –في نظرهم-
الجمود والتخلّف عن مسايرة الحياة العصرية.
(ثانياً) لا يتعلّمون كتاب الله وسنة
نبيه صلى الله عليه وسلم ولا
يأمرون بتعلّم ذلك بينما هم يرسلون الطلبة إلى الخارج، وينفقون عليهم ليقضوا
السنوات في تعلّم النظم والقوانين البشرية الوضعية التي افتتنوا بها وظنّوها أرقى
من شريعة العليم الخبير، كي يصبحوا بعد ذلك قادة وقضاة ومحامين يحتلُّون أسمى
المراكز ويُنظر إليهم بعين التقدير والاحترام .
(ثالثا) ينتقصون شريعة الله ويقلّدون
الكفار الغربيين في استنكارهم لجوانب منها كقطع يد السارق، ورجم أو جلد الزاني،
وقتل المرتد، وحرمة الربا، والحجاب، وإباحة الطلاق، وتعدد الزوجات ... الخ .
(رابعا) يحاربون المسلمين بشراسة ووحشية
وينْزلون عليهم من العقوبات ما لا ينْزلون على المجرمين، حتى أصبحت الدعوة إلى
التمسك بالكتاب والسنة -والكفر بما يخالفها من المبادئ والنظريات والنظم- أخطر
الجرائم التي تُرتكب في هذا العصر في اعتبارهم الجاهلي .
(خامساً) يؤمنون بالقوانين الوضعية
العالمية، كميثاق هيئة الأمم المتّحدة وقوانين محكمة العدل الدولية. هذه القوانين
التي تسوِّي بين الكافر والمسلم والرجل والمرأة في الحقوق والواجبات. والتي تنكر
الجهاد لإعلاء كلمة الدِّين وتصفه بالاعتداء على حقوق الآخرين .
(سادساً) يظهرون المودّة لأهل الكفر
بتبادل الزيارات وإقامة الحفلات والتعاون في كثير من المجالات كالمجال الاقتصادي
والعسكري والتعليمي والتعاون كذلك في إيقاف الزحف الإسلامي المتزايد. كما يقولون،
كل هذه الأمور وغيرها تخرجهم من صف المنافقين وأحكامهم وتجعلهم في صف الكافرين
المجرمين وأحكامهم. ولا فرق في هذا بين الحاكمين والمحكومين : ]إلاّ من
أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان[ [النحل: 106] .
ومنها
أن الله تعالى وصف الشرك بالله بأنه
ضلال بعيد كقوله: ]ومن يشرك بالله فقد
ضلّ ضلالاً بعيداً[
[النساء: 116]
]ويريد الشيطان أن
يضلّهم ضلالاً بعيداً[
[النساء: 60] .
]يدعوا من دون الله ما
لا يضرّه وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد[ [الحجّ: 12] .
وبيّن كذلك أن لا أضلّ ممن أعرض عن هدى
الله واتّبع هوى نفسه، فقال: ]ومن أضلّ ممن اتّبع
هواه بغير هدىً من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين[ [القصص: 50].
وهدى الله يشمل ما أنزل الله من العقائد
والأحكام والأخلاق فمن رغب عن شيء مما بيّنه الله وظنّ أن الهدى أكمل في غيره مما
وضعه الناس من الهوى، فقد دلّت الآية على وقوعه في الضلال البعيد الذي هو الشرك
بالله وأنه مساوٍ للذي يدعوا من دون الله ما لا يضرّه ومالا ينفعه، إذ أن قوله
تعالى: ]ومن أضلّ[ يُفيد أنه بلغ النهاية في الضلال وأنه أصبح أبعد الضالّين ضلالاً.
وكذلك قد وصف الله الشرك بالله بأنه ظلم
عظيم، كقوله تعالى: ]إن الشرك لظلم عظيم[ [لقمان: 13] .
ووصف المعرض عن الهدى بأنه بلغ النهاية
في الظلم وأنه لا أظلم منه .
قال تعالى: ]ومن أظلم
ممن ذُكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من الجرمين منتقمون[ [ألم سجد:
22] .
وقال تعالى: ]
ومن أظلم ممن ذُكر بآيات ربه فأعرض عنها
ونسي ما قدّمت يداه[ [الكهف: 57] .
فعُرف من ذلك أن اتّباع الهوى ومخالفة
الهدى كفر أكبر مخرج عن ملّة الإسلام .
ومنها
إن الله تعالى خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم في شأن الاتّباع
فقال: ]ولئن
اتّبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين[ [البقرة: 145] .
]ولئن اتّبعت أهواءهم
بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من وليّ ولا نصير[
[البقرة: 120] .
وقال الله تعالى: ]ولئن
اتّبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من وليّ ولا واق[
[الرعد: 37] .
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو في أعلى الدرجات في
مقام النبوة والوحي والقرب من الله قد خوطب بهذه الآيات التي تتضمن الوعيد
والتهديد، وأخبر أنه سيكون من الظالمين أي الكافرين إن فعل ذلك فغيره أولى بأن
يلحقه هذا الوعيد، وأن يوصف بالظلم والكفر إن اتّبع الهوى وترك العلم المنَزَّل من
الله.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان معصوماً من
الضلال والظلم فيكون الخطاب إذاً لأمته كي لا تتعرّض لغضب الله باتّباع الهوى وترك
العلم.
ومن الناس
من يتردّد أو يتوقّف في حكم الذي يدعى الإسلام ويشهد الشهادتين ويصلِّي ويصوم ولكن
لا يرى الحكم بين الناس بكتاب الله أو لا يرى بالتحاكم إلى غير شريعة الله بأساً .
لكن المؤمن إذا تدبّر هذه الآيات الثلاث
عرف أن ليس هناك مجال للتردّد والتوقّف بعد بيان الصريح، ويعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم عند مخاطبة الله إياه
بهذه الآيات كان أول من أسلم وشهد الشهادتين وصلّى وصام لله، ويعرف أن لو كانت
كلمة الشهادة مع الصلاة والصيام شرطاً مانعاً من تكفير المستحلّ لاتّباع الهوى
وترك العلم ما خوطب رسول الله صلى
الله عليه وسلم بهذا الأسلوب المتضمّن للوعيد والتهديد.
(و) ومنها :
وقصة الخوارج وما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم