(18)
يقولون :-
"
نحن لا نرى تكفير المسلم المعيّن قبل أن تتمّ شروط التكفير فى حقه وتنتفي الموانع
. ومن الموانع أن يكون له تأويل ويظنّ أنّه على حقّ "
(18) فنقول :-
(أولاً) المسلم عندنا هو من
شهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله ثم عبد الله وحده وكفر بالآلـهة
وآتى الزكاة وصام وصلّى وحجّ بيت الله إن استطاع إليه سبيلاً ولم يظهر منه ما ينقض
إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر .
وهـذا هو الّذي لا يجوز تكفيره – قبل أن
تتمّ شروط التكفير فى حقه وتنتفي الموانع – إذا جحد شيئاً من الشريعة أو صفةً من
صفات الله التي يمكن أن يجهلها بعض المسلمين . أمّا من عُرف كفره باليوم الآخر
فإنّه لا يجوز أن يقال :- " إنّه مسلم "
وإن أتى بالإسلام الظاهر كالشهادتين
والصلاة والزكاة وغيرها .. ولا يجوز كذلك أن يقال : إنّه لا يكفّر قبل أن تتمّ
شروط التكفير وتنتفي الموانع لأنّه قد عُرف أنّه كافر لم يصحّ له إسلام وإيمان .
ومثله من كفر برسل الله أو اعتقد نبوة
كذاب من الكذابين … " فالقاديانيّ" أو " البهائيّ " الجاهل
الذي يظنّ أنّه من المهتدين هو كافرٌ جاهل .. ولا يجوز أن يقال إنّه مسلم جاهلٌ
وأنّه لا يجوز تكفيره قبل أن تتمّ شروط التكفير وتنتفي الموانع .. لأنّه قد عُرف
أنّه كافرٌ لم يصحّ له إسلام وإيمان ..
ومثله الكافر بالقرآن لا يقال إنّه مسلم
جاهلٌ أو أنّه لا يجوز تكفيره قبل أن تتمّ شروط التكفير وتنتـفي الموانع للعلم
بعدم صحة إسلامه وإيمانه ..
ومثله الكافر بالملائكة لا يقال أنّه
مسلم جاهلٌ أو أنّه لا يجوز تكفيره قبل أن تتمّ شروط التكفير وتنتفي الموانع ..
ومثله الكافر بالله [ كالمشرك أو الملحد
] من عُرف بذلك لا يصحّ إسلامه الظاهر ولا يقال أنّه مسلم جاهلٌ أو أنّه لا يجوز
تكفيره قبل أن تتمّ شروط التكفير وتنتفي الموانع .
قال تعالي ) ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضلّ ضلالاً
بعيداً ( [النساء : 136]
ومن قال أنّ من كفر بالله أو ملائكته أو كتبه أو رسله أو اليوم
الآخر .. يقال له مسلم ولا يجوز تكفيره قبل أن تتمّ شروط التكفير وتنتفي الموانع
.. من قال ذلك فقد فتح باباً عظيماً
من أبواب الضلال ..ولا يختلف شيئاً عمن قال إنّ اليهود والنصارى لا يجوز تكفيرهم
قبل أن تتمّ شروط التكفير وتنتفي الموانع . لأنّ كفر اليهود والنصارى ليس إلاّ
بهذه الأصول أو ببعضها .
( ثانياً) إنّ المسلم إذا زال عقله
" بالجنون " أو " بالنوم " أو بالإغماء " لا يؤاخذ فى
حالة زوال عقله بإحدى هذه العوارض بما يتكلّم به من الكلمات المكفّرات لأنّ وجود " العقل " من شروط
التكفير وزواله من موانع التكفير ، فيقال للمجنون إذا تكلّم بالكفر إنّه لا يجوز
تكفيره لعدم استيفائه لشروط التكفير أو لوجود المانع من التكفير .
وفى الحديث
(( رُفع القلم عن ثلاثة : النائم حتى يستيقظ والمجنون حتى يفيق والصغير حتى يبلغ )) .
أبو داؤود / النسائى
وكذلك إذا تكلّم المسلم بكلمة مكفّرة
" ناسياً " أو أراد أن يتكلمّ بالحقّ فأخطأ وقال كلمة من المكفّرات ..
لا يجوز تكفيره لانتفاء شرط من شروط التكفير وهو " العمد " أو لوجود المانع من التكفير وهو "
الخطأ " أو " النسيان "
مثل الرجل الذي أخطأ من شدّة الفرح وقال : ( اللهم أنتَ عبدي وأنا ربّك )
كما فى الحديث .
قال تعالى )وليس عليكم
جناحٌ فيما أخطأتم به ولكن ما تعمّدت قلوبكم ( [ الأحزاب : 5]
وكذلك لا يجوز تكفير المكره على الكفر
لوجود المانع من ذلك وهو " الإكراه " أو لفقدان شرط "
الاختيار" قال تعالى )من كفر بالله من بعد
إيمانه إلاّ من أكره وقلبه مطمئنّ بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضبٌ
من الله ولهم عذاب عظيمٌ (
[ النحل : 106]
وفى الحديث (( إنّ الله
تجاوز لأمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ))
(1)
إنّ الكافر الذي كفر بالله [ فأشرك أو ألحد ] أو كفر بملائكة الله أو بكتبه
أو برسله أو باليوم الآخر جاهلاً لا يجوز أن يعدّ من المسلمين - وإن ادّعى الإسلام
- لأنّه عرف أنّه يدّعى ما لا يعلمه .
فإنّ الله تعالى جعل الإيمان أموراً
يعلمها الإنسان ويعتقدها بعد العلم . فإذا انتفى العلم انتفى الاعتقاد ومن ثمّ لا
يمكن أن يكون الجاهل بحقائق الإيمان " مؤمناً" أبداً قبل أن ينال العلم
.
(2) إنّ الله
تعالى وصف المشركين بالجهل فعُرف من ذلك أنّ الجهل لا يمنع عمن أشرك بالله أن يكون
له حكم المشركين .
قال تعالى:)وإن أحد من
المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنّهم قوم لا
يعلمون ( [ التوبة : 6]
فوصفهم بالشرك والجهل معاً .
وقال تعالى )وإذا قيل
لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو
كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون ( [ المائدة : 104]
فوصفهم بالجهل والتقليد للجهال .
وقال تعالى )إنّهم
اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنّهم مهتدون (
[ الأعراف :30 ]
قال الإمام الطبربى فى
تفسير هذه الآية : وهذه من أبين الدلالة على خطأ من زعم أنّ الله لا يعذب أحداً
على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها إلاّ أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها فيركبها
عناداً منه لربّه فيها . لأنّه لو كان كذلك لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضلّ وهو
يحسب أنّه مهتد وفريق الهدى فرقٌ ، وقد فرق الله بين أسمائهما وأحكامهما فى هذه
الآية . [ جامع البيان ]
( ثالثاً) إنّ المسلم الذي برئ من الشرك والكفر وآمن بالله وملائكته
وكتبه ورسله واليوم الآخر يمكن أن يعتقد عقيدة مخالفة لدلالة القرآن بسبب الجهل
والتأويلات الفاسدة كما كان شأن غالب أهل الأهواء والمبتدعة فقد كان منهم من يكفّر
المسلمين الموحدين بالذنوب ويردّ على نصوص صحيحة وكان منهم من يخرج العمل من مسمى
الإيمان ويردّ على نصوص صحيحة . وكان منهم من يعطل ويحرّف صفات الله ويردّ على
نصوص صحيحة .. ومن يشبّه الله ببعض خلقه ويردّ على نصوص صحيحة .. ومن يقول إنّ
القرآن مخلوق ويردّ على نصوص صحيحة
..إلخ ]
ويمكن كذلك أن يعتقد المسلم الحرام
حلالاً أو الحلال حراماً بسبب الجهل كذلك .
وموقف علماء أهل السنّة من أولئك
المبتدعة وكلّ من خالف حكم الشريعة يتحدد فى النقاط الآتية :-
(1) إنّ من ردّ أمراً أو نهياً أو خبراً
صادراً عن الله بطريق قطعيّ فإنّه يكون كافراً كإبليس إن كان ذلك عن علم .
(2) أما إن كان ذلك عن جهل كمن يريد
إصابة الحقّ فى مسألة فأشتبه عليه الأمر فلا يقال إنّه كافرٌ بالله رادّ لأمر الله
قبل البيان وإزالة الأشكال . وإنّما يقال : إنّه مخطئ ضالٌّ لم تقم عليه الحجة
ومقالته كفرٌ . لقوله تعالى:) وما كان
الله ليضلّ قوماً بعد إذ هداهم حتى يبيّن لهم ما يتّقون ( [ التوبة :115]
( 3 ) إنّ هناك أموراً لا يمكن أن
يجهلها المسلم لظهورها مثل وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وبرّ
الوالدين وتحريم الميتة والخمر والخنزير والميسر والزنا والربا ونكاح ذات المحارم
وسفك دماء المعصومين قالوا : إنّها من المعلوم من الدّين بالضرورة ولا يُعذر أحدٌ
بالجهل فى هذه الأمور وأمثالها إلاّ إذا كان حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية
بعيدة عن مظان العلم .
فكلّ الذين يحترز العلماء عن تكفيرهم
ممن يحكى عنهم مقالات منحرفة مضادة لنصوص صحيحة هم أقوام يؤمنون بالله والملائكة
والكتب والرسل واليوم الآخر .. وهم الذين يتحدّث عنهم الإمام [ ابن تيميه ] فى
فتاواه كثيراً ويقرّر أنّه لا بدّ من إقامة الحجّة عليهم قبل الحكم عليهم بالكفر
وإن كانت مقالتهم فى نفسها كفراً .
فمما قاله :-
= إنني دائماً – ومن جالسني يعلّم ذلك
منّي – من أعظم الناس نهياً من أن ينسب لشخص معيّن إلى تكفير وتفسيق ومعصية إلاّ
إذا علم أنّه قد قامت عليه حجّة الرسالة التي من خالفها كان كافراً تارة وأخرى
فاسقاً وعاصياً أخرى وإنّي أقرّر أنّ الله تعالى قد غفر لهذه الأمّة خطأها وذلك
تعمّ الخطأ فى المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية .. وما زال السلف
يتنازعون فى كثير من هذه المسائل ولم يشهد أحدٌ منهم على أحدٍ لا بكفرٍ ولا بفسقٍ
ولا بمعصيةٍ . وكنتُ أبيّن أنّما
نُقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا و كذا فهو – أيضاً – حقّ
لكن يجب التّفريق بين الإطلاق والتعيين .
التكفير هو من الوعيد ، فإنّه وإن كان
القول تكذيباً لمّا قاله الرسول صلى الله عليه وسلم - لكن الرجل قد يكون حديث عهد
بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة . ومثل هذا لا يكفّر بجحد ما يجحده حتى تقوم الحجّة
وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض
أخر أو جب تأويلها وإن كان مخطئاً " [فتاوى 3/229]
وقال أيضاً : " وبدعة الخوارج إنّما
هي من سوء فهمهم للقرآن ، لم يقصدوا معارضته لكن فهموا منه ما لم يدلّ عليه ،
فظنّوا أنّه يوجب تكفير أرباب الذنوب "
من هذه الأقوال وأشباهها للإمام [ ابن
تيميه ] يبدوا أنّه لا يتحدّث إلاّ عن مسلمين صادقين آمنوا بالله ولم يشركوا به
شيئاً وآمنوا بالملائكة والكتب والرسل والبعث بعد الموت .. ثم اعتقدوا اعتقادات
مخالفة لدلالات نصوص صحيحة فى أمور جزئية فردّوا تلك النصوص المعارضة لمذهبهم أو
أوّلوها تأويلات بعيدة كانوا مخطئين فيها .
أنّ المسلم المعيّن لا يجوز تكفيره قبل
أن تتمّ شروط التكفير وتنتفي الموانع .. هذه قاعدة صحيحة موافقة للكتاب والسنّة
ولا اعتراض فيها .
ولكن من هو المسلم الذي لا يجوز تكفيره
قبل استيفاء الشروط وانتفاء الموانع ؟؟
أهو الذي يعبد غير الله وينكر الدعوة
إلى الإخلاص والتوحيد ؟؟
أم هو الذي يعتقد صلاحية القوانين
البشرية وأفضليتها وملائمتها للعصر ، وينكر إتباع القرآن والسنّة ويرى ذلك تخلّفاً
ورجعية ؟؟
أم هو المقلّد الأعمى ، المنحلّ
أخلاقياً ، المستعبد للغربيين فى الفكر والسلوك الذي يرى التودد والتشبّه بهم سبيل
العزّة والكرامة ؟؟
وهل النطق بكلمة " لا إله إلاّ
الله " يكفى لإضفاء صفة الإسلام على الناطق إذا كان كافراً فى عقيدته وسلوكه
؟؟
إنّ اختلافنا الحقيقي ليس فى هذه القاعدة ولكنّه فى تعريف
" الإسلام " فنشأ من ذلك ما لا حصر له من الاختلافات .