يقولون :-

" إنّ صحابة النّبيّ صلى الله عليه وسلم الّذين قالوا : [[ اجعل لنا ذات أنواط  كما لهم ذات أنواط ]] لم يكفّروا بذلك القول – مع أنّه كفرٌ – لكونهم جاهلين"

(21) فنقول :-

" نترك الجواب للإمام (محمد بن عبد الوهاب) الّذي تعتقدون أنّه مجدّد الطريقة السلفية ألتى تنتسبون إليها. فقد قال فى كتابه (كشف الشبهات)  ولكن للمشركين شبهة يدلّون بها عند هذه القصة وهي أنّهم يقولون : إنّ بنى إسرائيل لم يكفروا بذلك . وكذلك الّذين قالوا للنّبيّ صلى الله عليه وسلم (اجعل لنا ذات أنواط) لم يكفروا فالجواب أن نقول :-

إنّ بنى إسراسيل لم يفعلوا وكذلك الّذين سألوا النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يفعلوا ولا خلاف أنّ بنى إسرائيل لو فعلوا ذلك لكفروا وكذلك لا خلاف أنّ الّذين نهاهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم لو لم يطيعوه واتّخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا وهـذا هو المطلوب )

قال : وتفيد أيضاً أنّ المسلم المجتهد إذا تكلّم بكلام كفر – وهو لا يدرى – فنبّه ذلك وتاب من ساعته أنّه لا يكفّر .. كما فعل بنوا إسرائيل والذين سألوا النّبيّ صلى الله عليه وسلم . وتفيد أيضاً أنّه لو لم يكفر فإنه يغلظ عليه الكلام تغليظاً شديداً كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم .. (  أ هــ  )

هـذا هـو الجواب الصحيح الموافق للأدلّة إذا فرضنا أنّ الصحابة طلبوا فعل الشرك ، مع أنّ هناك من العلماء من يرى أنّهم طلبوا مجرّد المشابهة ، قال الإمام ابن تيمية : " ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ويسمّونها " ذات أنواط" فقال بعض النّاس – ثم ذكر الحديث – قال : فأنكر النّبيّ صلى الله عليه وسلم مجرّد مشابهتهم الكفّار فى اتّخاذ شجرة يعكفون عليها معلّقين عليها سلاحهم فكيف بما هو أطمّ من ذلك من مشابهة المشركين أو هو الشرك بعينه"          ( اقتضاء الصراط )

إنّ أولئك المنحرفين المجادلين عن أهل الشرك أمامهم أقوام يعتقدون الشرك ويعملون به وقد ورثوا هذه العقائد الشركية عن أسلافهم ، فبحثوا نصوص القرآن والسنّة لعلّهم يجدون ما يصلح للتّمسك به فى مجادلاتهم عن المشركين فلم يجدوا ما يفى بمرادهم .. فصار حديث " ذات أنواط " وسؤال بنى إسرائيل محور كلامهم ومصدر اعتقادهم الباطل.

إنّ هذا الحديث وهذا السؤال الوارد فى القرآن يدلاّن على أنّ المسلم الّذي أقرّ بالتوحيد وبرسالة الرّسول إذا سأل الشرك أو همّ به ولم يفعله فنبّه من ساعته فتنبّه أنّه لا يجوز تكفيره بمجرّد ذلك كما قال الإمام محمد بن عبد الوهاب فبنوا إسرائيل كانوا يشهدون أن لا إله إلاّ الله وأنّ موسى رسول الله والصحابة كانوا يشهدون أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله .

وكان موقف الرّسولين عليهما الصلاة والسلام واحداً ، فينبغي الإقتداء برسل الله والزجر عن الشرك والقول لمن طلبه : " إنّ هذا شرك لا يجوز فعله فإن فعلته تكن ظالماً مشركاً "

أما إذا فعل الإنسان الشرك واعتقده بعد إقراره بالتوحيد وبرسالة الرسول فإنّ حكمه حينئذٍ لا يؤخذ من حديث " ذات أنواط " ولا من سؤال بنى إسرائيل لكونهم لم يفعلوا الشرك .. وإنّما يؤخذ من حكم القرآن على الّذين اتّخذوا العجل من بنى إسرائيل لأنّهم فعلوا الشرك بعد إقرارهم بالتوحيد وبرسالة موسى عليه السلام  .. فلم ينفعهم الإقرار بل صاروا ظالمين مشركين .

قال تعالى : )واتّخذ قوم موسى من بعده من حليّهم عجلاً جسداً له خوار ألم يروا أنّه لا يكلّمهم ولا يهديهم سبيلاً اتّخذوه وكانوا ظالمين( [ الأعراف : 148]

قال الإمام الطبري: (اتّخذوه) أي اتّخذوا العجل إلـهـاً  (وكانوا) باتّخاذهم إيّاه ربّاً معبوداً (ظالمين) لأنفسهم لعبادتهم غير من له عبادة وإضافتهم الألوهية إلى غير الّذي له الألوهية

                                          ( جامع البيان . م 6/ ص: 62)

 وقال القرطبي : ( اتّخذوه ) أي إلـهـاً  ( وكانوا ظالمين ) أي لأنفسهم فيما فعلوا من اتّخاذه

وقيل : وصاروا ظالمين أي مشركين لجعلهم العجل إلـهـاً  ..     (  أ هــ  )

وقال تعالى : ) وأشربوا فى قلوبهم العجل بكفرهم ( [ البقرة : 93]

فذكر الله تعالى أنّ بنى إسرائيل أشربوا فى قلوبهم حبّ العجل بسبب كفرهم ، فدلّ ذلك على أنّ الّذين عبدوا العجل من بنى إسرائيل كانوا كفّاراً .

قال الإمام الطبري فى قوله تعالى: ﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنّكم ظلمتم أنفسكم﴾ – الآية "

"وكان الفعل الّذي فعلوه فظلموا به أنفسهم هو ما أخبر الله عنهم من ارتدادهم باتّخاذهم العجل ربّاً بعد فراق موسى عليه السلام  "              ( جامع البيان . م 1/ص: 285)

 

 وقد كان الّذين عبدوا العجل يحبّون العجل ويظنّون أنّهم مهتدون بهذا الحبّ وهذه العبادة لجهلهم وغفلتهم العظيمة ولما علموا بالحقيقة وزالت عنهم الغفلة تابوا إلى الله واستغفروه .

قال تعالى: ﴿ولما سقط فى أيديهم ورأوا أنّهم قد ضلّوا قالوا : لئن لم يرحمنا ربّنا ويغفر لنا لنكوننّ من الخاسرين﴾ [الأعراف : 149]

فدلّ ذلك على أنّهم لم يكونوا معاندين بل كانوا جاهلين يحسبون أنّهم مهتدون ..

وقد كانت الحجّة قائمة عليهم بإرسال موسى إليهم ودعوته إيّاهم إلى إخلاص العبادة لله وإن كانوا لم يفهموا التوحيد المطلوب جيّداً ولم يستيقنوه ،  إذ أنّه ليس من شروط بلوغ الحجّة إن يقتنع ويستيقن بها .. بل إنّه من بلغته دعوة التوحيد فأنكرها واستغربها ولم يقتنع بها وظنّ أنّها دعوة إلى الضلال .. فإنّ

الحجّة قائمة   عليه ولا يكون معذوراً بجهله وغفلته .. لأنّ الله تعالى أخبر أنّه طبع على قلوب كثيرين من أهل الكفر فلا يفقهون الحقّ . كقوله تعالى :-

) ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقراً  [         [ الأنعام :25 ]

والمشركون اليوم ممن ينتسبون إلى الإسلام قد بلغتهم دعوة التّوحيد وبلغهم القرآن الّذي يدعوا إلى التوحيد .. ولكنّهم يرفضون هذه الدعوة ولا يقتنعون بها ويحاربونها ويتمسكون بما يضادها من آراء وسلوك الأسلاف والمشايخ الضالّين .. فلا يكونون – وحالهم هذا – معذورين بالجهل .. لكون الله تعالى لم يعذر بنى إسرائيل الّذين عبدوا العجل بالجهل بل قال: ﴿إنّ الّذين اتّخذهم العجل سينالهم غضب من ربّهم وذلّة فى الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين . والّذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إنّ ربّك من بعدها لغفور رحيم ( [ الأعراف : 152-153].