(25) يقولون : -

"وجدنا من كلام الإمام [ ابن تيمية ] ما يدلّ على أنّه كان يعتقد إعذار أهل الإشراك بالجهل فقد قال : [[ ونحن نعلم بالضرورة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يشرّع لأحد أن يدعوا أحداً من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها . كما أنّه لم يشرّع لأمته السجود لميّت ولا الى ميّت ونحو ذلك بل نعلم أنّه نهى  من هذه الأمور كلّها وأنّ ذلك من الشرك الذي حرّمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم  ولكن لغلبة الجهل وقلّة العلم بآثار الرسالة فى كثير من المتأخرين . لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبيّن لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم  مما يخالفه ]] .

( 25 ) فنقول :-

[ أولاً ] قد رأينا فيما سبق من الأجوبة الأدلّة الدالّة على أنّ المشرك لا يكون معذوراً بالجهل وأنّه تجرى عليه أحكام المشركين وهو يظنّ  أنّه من المهتدين . وسـنري كذلك أنّ الإمام أفتى بتكفير وقتال طوائف من المنتسبين الى الإسلام . المقرّين بالشهادتين وأنّه جاهد هم  باللّسان واليدّ . وأفتى كذلك بحرمة أكل ذبائحهم ومناكحتهم .

[ثانياً] قد صرح الإمام فى موضع آخر أنّ المسلم لا يكفّر ابتداء إذا جحد مقالة من المقالات الخفيّة  . ألتى يمكن أن تخفى عليه أمّا إذا جحد التوحيد أو الصلاة أو الحجّ .. فإنّه يكفّر وهذا نصه :-

[[وهذا أنّ كان فى المقالات الخفية فقد يقال فيها مخطئ  ضال لم تقم عليه الحجّة  التي يكفّـر تاركها . ولكن هذا يصدر عنهم فى أمور يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بها وكفّر من خالفها مثل : عبادة الله وحده لا شريك له ونهيه عن عبادة أحد سواه من الملائكة والنبيين وغيرهم . فإنّ هذا أظهر شعائر الإسلام . ومثل إيجاب الصلوات الخمس وتعظيم شأنها ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر . ثم تجد كثيراً من رؤوسهم وقعوا فيها فكانوا مرتدين ]]           ( إ هـ )

فواضح من هذا الكلام أنّ الإمام لم يكن يرى التوحيد من المقالات الخفية وأنّه يراه أظهر شعائر الإسلام . وأنّ الإنسان لا يُعذر بالجهل إذا أنكر التوحيد وأعتقد الشرك أمّا قوله ( لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبيّن لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم  ) فمراده أنّ المصلحة تقتضي أن يشرع الداعية فى بيان حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك قبل أن يتكلّم فى تكفير أفراد معينين قد يكونون متبوعين لهم أنصار .

قال الإمام  عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب :-

[[ بقي مسألة تكلّم فيها شيخ الإسلام ابن تيميه وهي عدم تكفير المعيّن ابتداء .لسبب ذكره رحمه الله تعالى ، أوجب له التوقف فى تكفيره قبل إقامة الحجّة عليه – ثم ذكر قول الإمام : ونحن نعلم بالضرورة  ... إلخ – ثم قال :-

قلتُ : فذكر رحمه الله تعالى ما أوجب له عدم إطلاق الكفر عليهم على التعيين خاصة إلاّ بعد البيان والإصرار . فإنّه قد صار أمّةً  وحده ولأنّ من العلماء من كفرهُ  بنهيه لهم عن الشرك فى العبادة ، فلا يمكنه أن يعاملهم إلاّ بمثل ما قال.

كما جرى لشيخنا محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى فى ابتداء دعوته فإنّه إذا سمعهم يدعون زيد بن الخطاب رضي الله عنه قال : الله حير من زيد تمريناً لهم على نفي الشرك بلين الكلام ، نظراً الى المصلحة  وعدم النفرة ]] والله سبحانه وتعالى أعلم ( جامع الفريد )

[ ثالثاً ] أنّ أقوال العلماء ليست هي فى نفسها نصوصاً قطعية يجب المصير إليها  وإنّما يستأنس بها عند فقدان الدليل أو عند الإختلاف فى فهم الدليل . أما إذا وُجد الدليل الصحيح فالالتفات إلى أقوال الناس مخالف لمنهج السلف الصالح الذين اتّفقوا على أنّ كلّ إنسان يؤخذ من قوله ويُترك  إلاّ رسول الله صلى الله عليه وسلم  ..

وطاعة الله ورسوله توجب أتّباع الدليل المنصوص وإن كان المخالف له صحابيّاً جليلاً ..

وإذا اختلف العلماء فى مسألة فالواجب أتّباع القول الموافق للكتاب والسنّة  وإذا اختلفت أقوال لأحد الأئمة فالواجب أخذ القول المستند إلى الكتاب والسنّة .

ويجب مراعاة هذه القواعد الصحيحة إذا تعارضت الآراء والأقوال .

قال الإمام [ ابن تيميه ]  :-

[[ لكنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم  معصوم فلا يجوز أن يصدر عنه خبران متناقضان  فى الحقيقة ولا أمران متناقضان فى الحقيقة إلاّ وأحدهما ناسخ والآخر منسوخ .

وأمّا غير النبيّ صلى الله عليه وسلم  فليس بمعصوم فيجوز أن يكون قد قال خبرين متناقضين و أمرين متناقضين  ولم يشعر بالتناقض ]] ( مجموعة الفتاوى . م 4/ ص : 168 )

[ رابعاً ]  بيّن الإمام [ ابن تيميه ] أنّ مذهب أهل السنّة والجماعة فى حكم الشرك والفواحش قبل نزول العلم هو أنّ ذلك شرّ وقبح بخلاف مذهب الجهمية والأشعرية القائلين بأنّ ذلك صار شرّاً وقبحاً بعد نزول العلم وكان قبل ذلك كفعل الصبيان والمجانين قال فى صفحة 676من مجموع الفتاوى : م . 11 )

[[ والجمهور من السلف والخلف على أنّ ما كانوا فيه قبل مجيء الرسول من ا لشرك والجاهلية شيئا قبيحاً  . وكان شرّاً لكن لا يستحقون العذاب إلاّ بعد مجيء الرسول : ولهذا كان للناس فى الشرك والظلم والكذب والفواحش ونحو ذلك " ثلاثة أقوال "

قيل: إنّ قبحها معلوم بالعقل وأنّهم يستحقّون العذاب على ذلك فى الآخرة وإن لم يأتهم الرسول . كما يقوله المعتزلة . وكثير من أصحاب أبى حنيفة وحكوه عن ابى حنيفة نفسه وهو قول أبى الخطاب وغيره .

وقيل : لا قبح ولا حسن ولا شرّ فيها قبل الخطاب ، وإنّما القبيح ما قيل فيه لا تفعل ، والحسن ما قيل فيه افعل ، أو ما أذن فى فعله ، كما تقول الأشعرية . ومن وافقهم ، من الطوائف الثلاثة .

وقيل : إنّ ذلك سيئ وشرّ  ، وقبيح قبل مجيء الرسول لكنّ العقوبة إنّما تستحق بمجيء الرسول  وعلى هذا عامة السلف وأكثر المسلمين ، وعليه يدلّ الكتاب والسنّة فإنّ فيهما بيان أنّ ما عليه الكفّار هو شرّ وقبيح وسيئ  قبل الرسل وإن كانوا لا يستحقون العقوبة إلاّ بالرسول ، وفى الصحيح أنّ حذيفة قال : (( يا رسول الله : إنّا كنّا فى  جاهلية وشرّ فجاءنا الله بهذا الخير ، فهل بعد هذا الخير من شرّ  . قال : نعم . دعاة على أبواب جهنّم من أجابهم إليها قذفوه فيها )) .

وقال :  وقد أخبر الله تعالى عن قبح أعمال الكفّار قبل أن يأتيهم الرسول كقوله لموسى :

﴿أذهب إلى فرعون إنه طغى . فقل هل لك إلى أن تزكّى . وأهديك إلى ربك فتخشى؟﴾

 وقال :) إنّ فرعون علا فى الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم . يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنّه كان من المفسدين . ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا فى الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين  . ونمكن لهم فى الأرض  ( .فهذا خبر عن حاله قبل أن يولد موسى وحين كان صغيراً قبل أن يأتيه برسالة إنّه كان طاغياً  مفسداً .

وقال تعالى : ) ولقد مننّا عليك مرّة أخرى . إذ أو حينا إلى أمك ما يوحي أن اقذفيه فى التابوت فاقذفيه فى اليم فليلقه اليمّ بالساحل يأخذه عدوٌّ لي وعدوٌّله  ( هو فرعون ، فهو إذ ذاك عدو الله  ولم يكن جاءته الرسالة بعد .

وقال : أمر الله الناس أن يتوبوا ويستغفروا مما فعلوه فلو كان كالمباح المستوى الطرفين المعفو عنه وكفعل الصبيان والمجانين ما أمر بالاستغفار والتوبة . فعلم أنّه كان من السيئات القبيحة لكن الله لا يعاقب إلاّ بعد إقامة الحجّة ، وهذا كقوله تعالى :-

)ألر كتاب أحكمت آياته ثم فصّلت من لدن حكيم خبير، ألاّ تعبدوا إلاّ الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى ، ويؤت كلّ ذي فضل فضله وإن تولّوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير (

وقوله تعالى : ) قل إنّما أنا بشرٌ مثلكم يوحي إلي أنّما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه و ويل للمشركين ، الذين لا يؤتون الزكاة  (

وقال تعالى : ) إنّا أرسلنا نوحاً إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم . قال  يا قوم إنّي لكم نذير مبين : أن اعبدوا الله وأتقو ه  و أطيعو ن .يغفر لكم من ذنوبكم (

وقال عن هود : ) وإلى عادٍ أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إلــه غير ه إن أنتم إلاّ مفترون . يا قوم لا أسألكم عليه أجراً إن اجري إلاّ على الذي فطرني أ فلا تعقلون ، و يا قوم استغفروا ربّكم ثم توبوا إليه ( 

فأخبر فى أول خطابه أنهم مفترون بأكثر الذي كانوا عليه كما قال لهم فى الآية الأخرى :-

)  أتجادلونني فى أسماء سميتموها أنتم و آباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان فانتظروا إنّي معكم من المنتظرين (

 وكذلك قال صالح : ) يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ، فاستغفروه ثم توبوا إليه إنّ ربّي قريبٌ مجيبٌ  (

وكذلك قال لوط لقومه : )  أ تأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين (

فدلّ على أنّها كانت فاحشة عندهم قبل أن ينهاهم بخلاف قول من يقول ، ما كانت فاحشة ولا قبيحة ولا سيئة حتى نهاهم عنها ، ولهذا قال لهم ،

) أ إنّكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون فىناديكم   المنكر (

وهذا خطاب لمن يعرفون قبح ما يفعلوه . ولكن أنذرهم بالعذاب .

وكذلك قول شعيب : ) أوفوا الكيل والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا فى الأرض مفسدين (

بيّن أنّ ما فعلوه كان بخسالهم أشياءهم وأنّهم كانوا عاثين فى الأرض مفسدين قبل أن ينهاهم بخلاف قول " المجبرة " إنّ ظلمهم ما كان سيئة إلاّ لما نهاهم وأنّه قبل  النهي كان بمنزله سائر الأفعال من الأكل والشرب وغير ذلك ، كما يقولون فى سائر ما نهت عنه الرسل من الشرك والظلم والفواحش .

وهكذا إبراهيم الخليل قال : ﴿وأذكر فى الكتاب إبراهيم إنّه كان صديقاً نبيّاً . إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئاً ﴾

فهذا توبيخ على فعله قبل النهي ،

وقال أيضاً: ﴿وإبراهيم إذ قال لقومه  اعبدوا الله و اتقوه ذلكم خيرٌ لكم   إن كنتم تعلمون إنما تعبدون من دون الله أوثاناً وتخلقون إفكاً   (  ...

فأخبر أنّهم يخلقون إفكاً . قبل النهي .

وكذلك قول الخليل لقومه أيضاً ..) ما تعبدون أ إفكاً آلـهـــةً دون الله تريدون فما ظنّكم بربّ العالمين ؟ إلى قوله ..أتعبدون ما تنحتون ؟!  والله خلقكم وما تعملون  (

أي وخلق ما تنحتـون  فكيف يجوز أن تعبدو ما تصنعون بأيديكم ؟ وتدعون ربّ العالمين ، فلولا إن حسن التوحيد وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له . وقبح الشرك ثابت فى نفس الأمر معلوم بالعقل . لم يخاطبهم بهذا إذ كانوا لم يفعلوا شيئاً يذمّون عليه ، بل كان فعلهم كأكلهم وشربهم  وإنّما كان قبيحاً بالنهي . ومعنى قبحه كونه منهياً عنه لا لمعنى فيه كما تقوله المجبرة .    ( إ هــ )