( 26 ) يقولون :-
" إنّ طاعة غير الله فى مخالفة شرع الله
ليست كفراً مخرجاً عن الملّة ، وإنّما هي ذنب من الذنوب ، لأنّ الإمام ابن تيمية
قال عن الذين أطاعوا الأحبار والرهبان فى معصية الله : " فهؤلاء لهم حكم
أمثالهم من أهل الذنوب " (
الفتاوى : 7/70 ) ..
( 26 ) فنقول :-
" إ،ّ مخالفة الشريعة بترك الواجب أو فعل المحرّم
تأتى على صور متعددة بعضها كفر وبعضها ليس بكفر ينقل عن الملّة ..
[ الأولى ] أن يخالف الإنسان شريعة الله
وهو يعلم أنّه خالف ولكنّه يعتقد أنّه اهتدى إلى ما هو أقوم وأفضل من شريعة الله
فهذا يكون كافراً خارجاً عن الملّة باستحلاله لمخالفة الشريعة .. ومن استجاب لدعوة
هذا الى المخالفة فهو مثله فى الحكم
كما قال تعالى : ) وإن أطعتموهم إنّكم لمشركون ( [ الأنعام : 121 ] ..
قال القرطبي فى هذه الآية : ( وإن
أطعتموهم ) أي فى تحليل الميتة ( إنّكم لمشركون ) فدلّت الآية على أنّ من استحلّ
شيئاً مما حرّم الله تعالى صار به مشركاً وقد حرّم الله سبحانه الميتة نصاً فإن
قبل تحليلها من غيره فقد أشرك ..
قال ابن كثير : ( وإن أطعتموهم إنّكم
لمشركون ) أي حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره ، فقد متم عليه غيره ،
فهذا هو الشرك ، كقوله تعالى ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله )
الآية .. وقد روى الترمذى فى تفسيرها عن عدي ابن حاتم أنّه قال : يا رسول الله ما
عبدوهم ، فقال : بلى إنّهم أحلّوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم ، فذلك
عبادتهم إيّاهم )..
والإمام " ابن تيمية " يوافق هؤلاء المفسرين فى معنى الآية أو
الآيات التي بهذا المعنى .. فقد قال :
" وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً حيث
أطاعوهم فى تحليل ما حرّم الله
يكونون على وجهين : (إحداهما) أن يعلموا أنّهم بدّلوا دين الله فيتبعونهم على
التبديل ، فيعتقدون تحليل ما حرّم الله وتحريم ما أحلّ الله إتباعاً لرؤسائهم مع
علمهم أنّهم خالفوا دين الرسل فهذا كفرٌ وقد جعله الله ورسوله شركاً – وإن لم
يكونوا يصلّون لهم ويسجدون لهم – فكان من اتبع غيره فى خلاف الدين مع علمه أنّه
خلاف الدّين ، واعتقدوا ما قاله ذلك ، دون ما قاله الله ورسوله مشركاً مثل هؤلاء
"
( الفتاوى : 7/ 70 ) ..
والعلماء لا يفرّون بين الدّاعي إلى
الكفر وبين المستجيب لأنّ الله لم يفرّق بينهما ، قال تعالى :
﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا
يعبدون﴾ .. قال " ابن تيمية " : فإنّ " أزواجهم " قد يكونون
رؤساء لـهم وقد يكونون أتباعاً ، وهم أزواج وأشباه لتشابههم فى الدّين " ( الفتاوى : 8/ 68 ) ..
وقال: " ومعلوم بالاضطرار من دين
المسلمين أنّ سوغ إتباع غير دين الإسلام أو إتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله
عليه وسلم فهو كافر وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب " ( الفتاوى : 28/ 509 وما بعدها
) ..
[ الثانية ] : أن يخالف الإنسان الشريعة
وهو لا يدّعى أنّه وجد ما هو أقوم و أفضل منها ، ولكنّه يصرّ على المخالفة لهوى فى
نفسه ويمتنع عن الانقياد قائلاً : هـذا حقّ ولكنّى لا أفعله ولا أنقاد له ، كالذين
منعوا الزكاة حبّاً للمال .. وما إلى ذلك .. وهذا أيضاً كافرٌ بالله خارج عن
الملّة وكفره كفر إباء واستكبار ككفر إبليس ..
قال تعالى : ] إلاّ إبليس أبا واستكبر وكان من الكافرين [ [ البقرة : 24] .
قال الإمام " ابن تيمية " عمن
امتنع عن فعل الواجبات أو ترك المحرّمات
: " فإنّ الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرّة بها وهذا مما
لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء " ، قال : " وأما المذكورون فهم خارجون
عن الإسلام " ، قال : والصحابة
لم يكونوا يقولون هل أنت مقرّ بوجوبها أو جاحد لها ، هذا لم يعهد عن
الصحابة بحال .. بل قال الصديق لعمر والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه ، فجعل المبيح للقتال مجرّد المنع
لا جحد الوجوب " (
الفتاوى : 28/501 وما بعدها ) ..
[ الثالثة ] : أن يخالف الشريعة وهو
يظنّ أنّه متّبع لها ، كمن شرب الخمر واستدلّ بقوله تعالى :
﴿ليس على الّذين آمنوا وعملوا الصالحات
جناح فيما طعموا﴾ الآية .. والتي استدلّت
بقوله تعالى : ] إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم [ الآية .. فظنت أنّ عبدها يحلّ لها ..
ومثل ذلك يبيّن لهم وجه الصواب فإن أصرّ
بعد ذلك على الضلال يقتل كافراً .. أمّ قبل البيان وإقامة الحجّة فيقال كما قال
الإمام ابن تيمية : " مخطئ ضالّ لم تقم عليه الحجّة " ( اقتضاء الصراط ) ..
[ الرابعة ] : أن يقع فى الحرام وهو
عالم بالحرمة ، وعالم باستحقاقه لمعاقبة الله ، وتسيئه سيّئته ، فهذا مذنب لم يخرج
عن الملّة ، ولا فرق فى كونه استجاب لنداء غيره من الناس .. فعن مثل ذلك قال
الإمام ابن تيمية بعد كلامه السّابق فى عبادة الأحبار والرهبان ..
[ الثاني ] : أن يكون اعتقادهم وإيمانهم
بتحريم الحرام وتحليل الحلال ثابتا لكنّهم أطاعوهم فى معصية الله كما يفعله المسلم
ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنّها معاص فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب
" ( الفتاوى : 7/70 ) ..
ومن ظنّ أنّ المستجيب للدعوة إلى الكفر
لا إثم عليه وإثمه على الدّاعي فقط فقد ضلّ ضلالاً بعيداً ، ويلومه أن لا يكفّر
أحداً من الأولين والآخرين غير إبليس اللّعين ، لأنّه لم يقع كفرٌ فى العالم إلاّ
وقد نشأ ذلك من دعوة إبليس وأولياؤه من الجنّ والإنس .. ويلزمه كذلك أن يخالف قول
النبيّ صلى الله عليه وسلم : (( ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثم من
تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً )) متفق عليه ..