( 27) يقولون :

 لا بأس بأن يشترك المسلم فى إدارة دولة جاهلية  وأن يتقلّد منصباً كبيراً فيها كالوزارة  ، وأن يعمل وينفذ بدقة وإخلاص قوانين هذه الدولة الجاهلية الكافرة ، يدلّ على ذلك ما ذكره القرآن من أمر يوسف عليه السلام وكيف تبوأ منصب وزير الاقتصاد لملك مصر بسبب طلب يوسف وقوله :

] اجعلني على خزائن الأرض [ ، ثمّ كيف كان يتبع يوسف شريعة الملك كما يظهر من قوله تعالى :

] وكذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك [ ، ويدلّ على ذلك أيضاً هجــرة الصحابة بإذن النبيّ  صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة حيث أصبحوا هنــاك رعايا لملك مسيحي ..

 

( 27 ) فنقول : 

  هذه ظنون سيئة بالله  وبدينه وأنبيائه ، فإنّ الذي يعتقد بذلك ويحتجّ بقصة يوسف فإنّه قد أساء الظنّ :
[أولاً] بالله ، لأنّه ظنّ أنّ الله متناقض فى أقواله ، فمرّة يـأمر عبيده  باجتناب الطواغيت والكفر بهم وجهادهم والقضاء على فتنتهم المتمثلة فى سلطانهم الدّولي .. ومرّة أخرى يأمر بطاعة الدّولة الحاكمة وان كانت كافرة .. ومرّة يقول إنّي أرسلت رسولاً وأمرته أن يطيع الحاكم الكافر وينفّذ شريعته تنفيذاً كاملاً ومرّة يقول إنني أنا الملك  القاهر الذي يجب أن يطاع وحده وتتبع شريعته ، ثم إذا هو يقول مرّة أخرى إنّ ملوك الأرض الكفّار تجوز طاعتهم بل تجب أحياناً ، وهذا من أسوأ الظنون بالله ..

[ ثانياً ] : بدين الله ، لأنّه ظنّ أنّ كتاب الله فيه اختلاف وتناقضات  وأفكار متضاربة  ، فمرّة يقول الكتاب أنّ التحليل والتحريم من خصائص الله لا يجوز أن يمارسه أحد من خلقه ، ومن تجاوز حدّه وحلّل وحرّم من تلقاء نفسه لا يحلّ أن يطيعه المسلم ، وإلاّ صار مشركاً مثله : ] وإن أطعتموهم إنّكم  لمشركون [  [ الأنعام : 121] .. ومرّة أخرى يقول لا بأس بأتّباع ملوك الأرض وطاعتهم فيما يحلّلونه ويحرّمونه من أمور تخالف كتاب الله ..

[ ثالثاً ] : بنبيّ الله يوسف عليه السلام ، لأنّه ظنّ أنّه لم يكن يدعوا إلى التوحيد وغنّما كان موظّفاً ذليلاً تابعاً لملك كافر ، ولا تهمّه إلاّ أمور الدنيا ولقمّة العيش ..

[ رابعاً ] : بنبيّ الله محمد صلى الله عليه وسلم حيث ظنّ  انّه لم يقتد بيوسف عليه السلام وخالف القرآن الذي يأمره بـالإقتداء بيوسف وغيره من الرسل عليهم السلام ، قال تعالى : ] ومن ذريّته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين [ ، إلى أن قال : ] أولئك الذين هدي الله فبهداهم أقتده [ الآية .. ظنّ أنّه لم يقتد بيوسف لما حارب أشراف قريش وأمر بالكفر بهم والهجرة من دارهم ، ولم حارب سادة العرب واليهود ، ولما كتب إلى الملوك : (( أسلم تسلم )) ..

وقد أجاب عن الشبهتين الإمام " أبو أعلى المودودى " في كتابه " الحكومة الإسلامية "[ص: 67-74] ..

قال عن الخطأ فى الاستدلال بقصة يوسف عليه السلام : لو تدبرنا قصة يوسف عليه السلالم كما وردت فى القرآن لعلمنا أنّه صار – قبل تشريفه بالنبوة – مملوكاً لعزيز مصر بسبب غدر اخوته وخيانة إحدى قوافل التجارية ، وفى هذه الأثناء أو بعدها – حين دخل السجن – حباه الله مقام النبوة ، وقالباً ما تشرّف به فى الفترة التي عاشها فى السجن لأنّ كلامه قبلها لم يكن له طابع كلام الأنبياء والرسل بل كان يبدوا كلام رجل صالح .. حينئذ علا شأنه فطفق يدعوا لرسالته وما أمر به  بين رفاق السجن وخلاصة دعوته موضحة فى سورة يوسف التي لو قرأها أيّ إنسان اليوم رأى أنّها ما كانت دعوة لعبادة أرباب متفرّقين ، بل لعبادة ربّ واحد ولطالما ظلّ عليه السلام يبيّن لأهل مصر أنّ ذلك الملك الذي اتخذتموه ربّا ليس بربّي لكنّ ربّي هو الله  ، وله العبادة خالصة وإنّني أتّبع دينه وشريعته .. ولقد ظهرت هذه الدّعوة التي كان يبلّغها في السجن في صورة علامات غير قليلة تدلّ على تديّنه وتقواه وحكمته وبصيرته ، وتأثّر به ملك مصر تأثراً كبيراً ، جعله يشعر أن لو طلب  يوسف عليه السلام كافة السلطات منه لتنازل له عنها وأعطاه إيــّاها ، فكان أمام يوسف عليه السلام طريقان :

( الأول ) : أن يختار للثورة الإسلامية  طريق الدعوة العامة والصراع والعمليات الحربية طويلة المدى وهو الطريق الذي يختاره النبيّ في الظروف العامة ..

( الثاني ) : أن يستغلّ وضعه الذي وصل إليه بقدرة الله ، وأن يتقلّد السلطات التي نالها من الملك الذي آمن به ، ثمّ يجتهد بعد ذلك في قلب نظام الفكر والأخلاق والمجتمع والسياسية ، وقد أعطاه الله بصيرة نافذة استطاع بها أن يري الطريق الثاني أقرب إلى هدفه وأنفع فأختاره .. فلم يكن عليه السلام يعمل في ذلك النظام غير الإسلامي من أجل حصوله على عيشه وقوت يومه ، أو بهدف الجاه والمجد الشخصي، أو تحقيقاً لبعض مصالح  النظام الفاسد ، بل كان عمله تدبيراً وسلوكاً خالصاً ، اختير لتحقيق الهدف الذي بعث من أجله مثله في ذلك مثل كلّ الأنبياء .. قال : أنّ المهم ليس السؤال عما إذا كانت سلطات  ملك مصر قد طلبت منه أو انتزعت غصباً أو عما إذا كان يوسف قد عزل فرعون مصر بعد وصوله السلطة ، أم تركه على عرش البلاد ، إنّما السؤال الذي له الأهمية الأولى : هل طلب سيدنا يوسف هذا المنصب لتدعيم و إقرار النظام الكافر ؟ أم لتحقيق هدف بعثه وهو إقامة النظام الإسلامي ؟ ثمّ السؤال الذي يليه فى الأهمية : هل حصل سيدنا يوسف على سلطات تمكنه من قلب نظام الحكم وتبديله أم لا ؟ .. 

وفي رأينا أنّ التصور الصحيح الكامل للدّين والنبوة يتطلّب أن نفهم أنّ الغرض من طلب يوسف عليه السلام : ] اجعلني على الخزائن الأرض [ [ يوسف : 55 ] .. هـو إقامة النظام الإسلامي ، وأنّ مراده من المطالبة بخزائن الأرض كان تولية كافة مصادر ومقاليد البلاد .. وإذا كان صاحب الاعتراض  ومن حذوا حذوه قد فهموا " خزائن " على أنّها الشئون المالية ، فإنّ هذا اللفظ لم يستخدم فى القرآن الكريم فى هذا المعنى ومن يقرأ القرآن يعرف أنّ معناه هو ألمنا بيع والمقاليد ، وبديهيّ أنّ استقرار كافة أسس ومصادر بلد ما فى يدّ شخص لا يختلف في معناه عن كون هذا الشخص متصرّفاً فى كلّ صغيرة وكبيرة فيها ، بل هما معنيان منطبقان تمام الانطباق إذ توضح تصراحة أنّ فرعون مصل ظلّ اسماً فقط على حين انضوت كلّ شئون البلاد تحت امرأة يوسف وسلطته .. وقال عن الآية :

 ] ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك [ [يوسف : 76 ] .. " إنّهــا فهمت بطريقة خطأ ، فقد فهمها معظم الناس على أنّ يوسف ما كان ليستطيع أخذ أخيه في دين الملك ، على حين معناها الصحيح أنّه لم يكن يتناسب ومقام يوسف أن يأخذ أخاه دين الملك ..

ثمّ ذكر أنّهــا مثل الآيات :

   v     ] وما كان الله ليطلعكم على الغيب [ [ آل عمران : 179 ] .

   v      ] وما كان ليضيع إيمانكم [  [ البقرة : 143 ] .

   v      ] فما كان الله ليظلمهم [ [ التوبة : 70 ] .

   v      ] ما كان الله  ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه [ [ آل-عمران : 179 ] .

   v      ] ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء [ [ يوسف : 38 ] .

     قال : وهذه الآية تثبت بالطبع أنّ قانون العقوبات غير الإسلامي ظلّ نافداً فى البلاد طيلة سبعة أعوام أو ثمانية ( حتى مجيء أخوة يوسف إلى مصر ) بالرغم من وجود سيدنا يوسف على رأس سلطة يوسف وقد أسلفنا الحديث في هذه النقطة ، وقلنا أنّ نظام المجتمع في أيّ بلد لم يكن تغييره بين عشيّة وضحاها .. قال : بل أنّ الرسول e نفسه أمضى عشرة أعوام كاملة في تغيير نظام المجتمع فى عصره ، وعلى هذا الأساس بقيت قوانين العقوبات  وبعضاً من القوانين الأخرى  نافذاً فى عصر حكومة يوسف عليه السلام لبضع سنوات ، وليسوا لنا أن نستنتج من هـذا أنّه عليه السلام لم يكن يضع أمام عينيه تطبيق القوانين الإلــهية بحذافيرها ، وأنّه كان يرغب في إقرار القوانين الكافرة وحدها فى البلاد ..

وقال عن الخطأ فى الاستدلال بـهجرة  الحبشـة :

فأولاً ) : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل جماعة من المسلمين إلى الحبشة آنذاك لأنّه كان يعلم أنّ النجاشي من النصارى الصالحين ويروى فى الحديث أنّه صلى الله عليه وسلم قال عن الحبشة : (( وهـي أرض صدق )) ..

ثانياً ) : أنّ الغرض من إرسال المهاجرين إلى هنــاك لم يكن تحولهم إلى رعايا لدولة الحبشة ، فالرســـول عليه الصلاة والسلام حين تشاور معهم ، قال لهم : (( لو خرجتم إلى الحبشة حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً )) وهذا يوضح أن رأى أن يجنّبهم تحمل مزيد من القساوات والمصائب فى تلك المرحلة من مراحل نضالهم وكانوا قد لا قوا ألواناً من الذلّ والاضطهاد  قبلها ، فأرسلهم لفترة عارضة إلى مكان لا يتوقّع فيه مثل هذه المصائب وكان قصده أن يعودوا بعد أن تهدأ الأحوال ، ويصبح الجوّ ملائماً مناسباً ، فكيف يمكن أن نستنتج من هذا أنّ حصول المسلمين على حرية العقيدة والعبادة فى ظلّ حكومة غير إسلامية يكفى لأن يكونوا رعايا أوفياء لهذا الحكومة ولا شيء عليهم أكثر من هــذا ؟

ثالثاً ) : لما وصل المهاجرون إلى الحبشة وأرسل الكفّار وفداً يطلب من النجاشي إعادتهم وحاوره سيدنا جعفر لم يصدق النجاشي – طبقاً لرواية المحدثين وفقهاء السيرة – ما ورد في القرآن الكريم عن عيسى عليه السلام فحسب ، بل أقرّ أيضاً بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فأي شكّ بعد ذلك فى إسلام النجاشي ؟

وقد نقل الإمام أحمد عن ابن مسعود الذي كان شاهد عيان في هذه الواقعة قول النجاشي :

" مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده أشهد أنّه رسول الله وأنّه الذي نجد فى الإنجيل وأنّه الرسول الذي بشّر به عيسى ابن مريم " ، فهل تصدر هذه الألفاظ عن إنسان غير مسلم ؟ .

  ويروى البيهقى عن عمرو بن العاص – وكان قد أرسل من قبل كفّار لإعادة المهاجــرين – أنّه قدّم لأهل مكّة تقريراً عن الموضوع بعد عودته من الحبشة فقال : " عن أصحمة يزعم أنّ صاحبكم نبيّ " فكيف يعترف إنسان بنبوة محمد ولا يكون مسلماً ؟ .

وقد روي ابن هشام فى سيرته قصة إسلام عمرو بن العاص التي توضح أنّ دعوة النجاشي هو أوّل ما أدخل الإيمان إلى قلبه وأنّه بايع بالإسلام على يدّ النجاشي قبل صلح الحديببية ، وما قاله النجاشي لعمرو بن العاص في هذا هو : " أطعني وأتبعه فإنّه والله لعلي ألحق وليظهرنّ على من خالفه كما ظهر موسـى على فرعون وجنوده " ..

كذلك نقل ابن عبد البرّ فى كتابه " الاستيعاب " الخطبة ألتى استقرأها النجاشي أمّ حبيبة عند تزويجها للنبيّ صلى الله عليه وسلم غيابياً ومنها ، " أشهد أنّ محمداً رسول الله وأنّه الذي بشّر به عيسى ابن مريم " ..

وأكثر من هذا استناداً ووثوقاً الرواية التي جاءت في صحيحي البخاري ومسلم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى صلاة الغائب عندما تلقّى نبأ وفاة النجاشي فقال : (( مات اليوم رجل صالح فقوموا فصلّوا على أخيكم أصحمة )) ..

وبهذا ينهدم الرأي يتخذ من هجــرة الحبشــة دليلاً على إمكان حياة جماعة من المسلمين في ظلّ نظام كافر..م هــ ..