(28)
وأحياناً
يقولون :- " نحن نوافق الإمام [ ابن تيميه ] فى إنكاره لتكفير المعيّن . أ
أنتم أعلم أم شيخ الإسلام ؟؟ " ( 28) فنقول :- " قد بيّنا لكم من
الأدلّة الصحيحة ما يدلّ على أنّ المؤمن الصادق قادر على معرفة الواقع فى الكفر
البواح، المظهر لذلك . وعرفتم أنّ القرآن لا يسمح للابن إتباع والديه فى الكفر ،
ولا يسمح كذلك بالعكس. وكذلك لا يسمح للرعيّـة طاعة أولى الأمر فى الكفر البواح
والمعاصي ولا يسمح لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يوالى أحداً لقرابته إذا كان
ذلك القريب من الذين استحبّوا الحياة الدنيا على الآخرة واستحبّوا الكفر على
الإيمان .
قال
تعالى: ﴿ياءيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبّوا الكفر
على الإيمان﴾ [ التوبة : 23] والآية تخاطب ( الّذين آمنوا ) فى كلّ مكان وفى كلّ
زمان ، فى دار الكفر أو فى دار الإسلام فالخطاب يعمّهم ، فدلّت على أنّ كلّ مؤمن
يستطيع أن يعرف ما إذا كان أقرباؤه من الّذين استحبّوا الكفر على الإيمان أو من
الّذين استحبّوا الإيمان على الكفر. بل تجب عليه هذه المعرفة مع اتخاذ الموقف
الشرعي الصحيح تجاه الأقرباء فى كلتا الحالتين . ومن قال بعد قيام الأدلّة على ذلك
: إنّني أقلد شيخ الإسلام [ ابن تيميه ] وهو ينكر تكفير المعيّن ، من قال ذلك لا
يكون إلاّ جاهلاً لحقيقتين هامتين :
(الأولى) أنّ
مخالفة النصوص الصحيحة لقول أحد من الناس ليست من منهج السلف ولا من منهج [ابن
تيمية] فى شئ. والإمام [ابن تيمية] هو من أشدّ العلماء متابعة لمنهج السلف الّذين
اتّفقوا على أنّ كلّ أحد يؤخذ من قوله ويترك إلاّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولذلك نرى أنّه قد خالف الأئمة الأربعة وغيرهم فى مسائل لأجل تمسكه بالدّليل. بل
إنّه كان يرى أنّ المخالف للنصّ الصحيح لقول الشيخ له نصيب من الشرك . ومما قاله
فى ذلك . ما يأتي : "ثم ذلك المحرّم للحلال والمحلّل للحرام وإن كان قصده
إتباع الرسول لكن خفي عليه الحقّ فى نفس الأمر وقد اتّقى الله ما استطاع ، فهذا لا
يؤاخذه الله بخطئه بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربّه ، ولكن من علم أنّ هذا
أخطأ فيما جاء به الرسول ثم اتبعه على خطئه وعدل عن قول الرّسول فهذا له نصيبٌ من
هذا الشرك الذي ذمّه الله لا سيّما إن اتبع فى ذلك هواه ونصره باليدّ واللسان مع
علمه أنه مخالف للرسول فهذا شرك يستحقّ صاحبه العقوبة عليه " وقال:
"وكلّ من أمر بأمر كائناً من كان عرض على الكتاب والسنّة فإن وافق ذلك قبل
وإلاّ ردّ كما فى الصحيحين :- (( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ )) أي
مردودٌ . ( الفتاوى م 28/ ص : 24)
وقال
: " إذ أنّ تطرّق الخطأ إلى آراء العلماء أكثر من تطرّقه إلى الأدلّة الشرعية
، فإنّ الأدلّة الشرعية حجة الله على جميع عباده بخلاف رأي العالم .. والدليل
الشرعي يمتنع أن يكون خطأ إذا لم يعارضه دليل آخر ورأي العالم ليس كذلك" (
الفتاوى .م 20/ ص : 250)
وقال
عن المقلّدين الّذين يرون وجوب الطاعة لإمام معيّن وإنّ خالفه مثله بغير نظر إلى
الأدلّة : ( فمن فعل هذا كان جاهلاً ضالاًّ ، بل قد يكون كافراً .. فإنّه متى
اعتقد أنّه يجب على الناس إتباع واحد بعينه من هؤلاء الأئمة دون الإمام الآخر
فإنّه يجب أن يستتابُ فإن تابَ وإلاّ قُتل ) (الفتاوى م 22/ ص : 249)
قال:
"ولو فتح هذا الباب لوجب أن يعرض عن أمر الله ورسوله .. ويبقى كلّ إمام فى
إتباعه بمنزلة النّبيّ صلى الله عليه وسلم فى أمته .. وهذا تبديل للدّين يشبه ما
عاب الله به النصارى فى قوله تعالى :- ?اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون
الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلاّ ليعبدوا إلـهاً واحداً لا إله إلاّ هو
سبحانه عما يشركون? (الفتاوى .م 20/ص:216)
( الثانية ) إنّ الإمام
[ ابن تيميه ] نفسه قد أفتى بتكفير أفراد معيّنين وطوائف معيّنة من المنتسبين
للإسلام لأجل ما قد أظهروه من الاعتقادات والأعمال ما هو مناقِض للإيمان . ومن هذه
الطوائف :
قال
: " فلو ذبح لغير الله متقرّباً إليه لحرم وإن قال فيه : باسم الله . كما قد
يفعله طائفة من مُنافقي هذه الأمة ، الّذين يتقرّبون إلى الكواكب بالذبح والبخور
ونحو ذلك . وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال ، ولكن يجتمع على الذبيحة
مانعان . ( اقتضاء الصراط المستقيم .ص:/ 259)
وقال
فى ( الرسالة السنية ) :- " فإذا كان على عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم ممن
انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة .. فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام
والسنّة فى هذه الأزمان قد يمرق أيضاً من الإسلام لأسباب منها الغلوُ فى بعض
المشايخ بل الغلوُ فى عليّ بن أبي طالب بل الغلوُ فى المسيح .. فكلّ من غلا فى
نبيٍّ أو رجلٍ صالح وجعل فيه نوعاً من الإلـهية مثل أن يقول : " يا سيدي فلان
انصرني أو أغثني أو ارزقني أو أنا فى حسبك ونحو هذه الأقوال .. فكلّ ذلك شركٌ
وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلاّ قُتل " وجاء " فى المجلّد 35 فى
الصفحة 164" من فتاوى الإمام بعد أن تحدّث عن إحدى الفرق الخارجة عن الإسلام
أنّه قال :- " وليس ذلك مختصاً بهم بل كلّ من كان من المتنسكة والمتفقهة
والمتعبدة والمتفقرة والمتزهدة والمتكلمة والمتفلسفة ومن وافقهم من الملوك
والأغنياء والكتاب والحساب والأطباء وأهل الديوان والعامة خارجاً عن الهدى ودين
الحقّ الذي بعث الله به رسوله ، لا يقرّ بجميع ما أخبر الله به على لسان رسوله ولا
يحرّم ما حرّمه الله ورسوله ، أو يدين بدين يخالف الذي بعث الله به رسوله باطناً
وظاهراً ، مثل من يعتقد أنّ شيخه يرزقه أو ينصره أو يهديه أو يغيثه أو يعينه ، أو
كان يعبد شيخه أو يدعوه ويسجد له أو كان يفضله على النّبيّ صلى الله عليه وسلم
تفضيلاً مطلقاً أو مقيّداً فى شيءٍ من الفضل الذي يُقرّب إلى الله تعالى ، أو كان
يرى أنّه هو أو شيخه مستغنٍ عن متابعة الرّسول صلى الله عليه وسلم فكلّ هؤلاء
كفّار إن أظهروا ذلك ومنافقون إن لم يظهروه ،، .
قال
: والغالية يقتلون باتفاق المسلمين وهم الذين يعتقدون الإلـهية والنبوة فى عليّ
وغيره مثل النصيرية والإسماعيلية الّذين يقال لهم ( بيت صاد ) و (بيت سين ) ومن
دخل فيهم من المعطلة الذين ينكرون وجود الصانع أو ينكرون القيامة أو ينكرون ظواهر
الشريعة : مثل الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وحجّ البيت الحرام ويتأولون ذلك على
معرفة أسرارهم وكتمان أسرارهم وزيارة شيوخهم ويرون أنّ الخمر حلال لهم ونكاح ذوات
المحارم حلال لهم . فإنّ جميع هؤلاء الكفار أكفر من اليهود والنصارى .. فإن لم
يظهر عن أحدهم ذلك كان من المنافقين الذين هم فى الدرك الأسفل من النّار . ومن
أظهر ذلك كان أشدّ من الكفّار كفراً . فلا يجوز أن يقرّ بين المسلمين لا بجزية ولا
ذمّة ، ولا يحلّ نكاح نسائهم ولا تؤكل ذبائحهم لأنّهم مرتدون من شرّ المرتدين .
فإن كانوا طائفة ممتنعة وجب قتالهم كما يقاتل المرتدون . كما قاتل الصديق والصحابة
أصحابَ مسيلمة الكذّاب وإذا كانوا فى قرى المسلمين فرقوا وأسكنوا بين المسلمين بعد
التوبة وألزموا بشرائع الإسلام ألتى تجب على المسلمين وليس هذا مختصّاً بغالية
الرافضة بل من غلا فى أحد المشائخ وقال : أنّه يرزقه أو يسقط عنه الصلاة أو إنّ
شيخه أفضل من النّبيّ صلى الله عليه وسلم . أو إنّه مستغن عن شريعة النّبيّ صلى
الله عليه وسلم . وأنّ له إلى الله طريقاً غير شريعة النّبيّ صلى الله عليه وسلم .
أو أنّ أحداً من المشائخ يكون مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم كما كان الخضر مع
موسى . وكلّ هؤلاء كفّار يجب قتالهم بإجماع المسلمين وقتل الواحد المقدور عليه
منهم . (الفتاوىم28/ص:474)
قال:
فأمّا النصيرية فهم أتباع أبى شعيب محمد بن نصير وكان من الغلاة الّذين يقولون:
"إنّ عليّاً إلـه" (الفتاوى .م 35/ص : 161)
وسئل
رحمه الله عن طائفة من رعية البلاد كانوا يرون مذهب النصيرية ثم أجمعوا على رجل
واختلفت أقوالهم فيه . فمنهم من يزعم أنّه إلـه ومنهم من يزعم أنّه نبيّ مرسل
ومنهم من يزعم أنّه ( محمد بن الحسن ) .. يعنون المهدى فهل يجب قتالهم وقتل
مقاتلتهم وهل تباح ذراريهم وأموالهم أم لا ؟؟ فأجاب : الحمد لله . هؤلاء يجب
قتالهم ما داموا ممتنعين حتى يلتزموا شرائع الإسلام فإنّ النصيرية من أعظم الناس
كفراً بدون إتباعهم لمثل هذا الدجال .فكيف إذا اتبعوا مثل هذا الدجال . وهم مرتدون
من أسوأ النّاس ردّة .. تقتل مقاتلتهم وتغنم أموالهم . وسبى الذرية فيه نزاع ولكن
أكثر العلماء على أنّه تسبى الصغار من أولاد المرتدين . وهذا هو الّذي دلّت عليه
سيرة الصديق فى قتال المرتدين . قال: والنصيرية لا يكتمون أمرهم بل هم معروفون عند
جميع المسلمين لا يصلّون الصلوات الخمس ولا يصومون شهر رمضان ولا يحجّون البيت ولا
يؤدون الزكاة ولا يقرّون بوجوب ذلك . ويستحلّون الخمر وغيرها من المحرّمات
ويعتقدون أنّ الإلــه ( عليّ بن أبى طالب ) ويقولون : نشهد أن لا إله إلاّ حيدرة
الأنزع البطين ولا حجاب عليه إلاّ محمد الصادق الأمين ولا طريق إليه إلاّ سلمان ذو
القوة المتين (الفتاوى .م 28/ص:553)
وكتب
الإمام إلى الملك الناصر رسالة يُهنئه فيها بعد وقعة جبل " كسروان " قال
فيها :- بسم الله الرحمن الرحيم من الداعي أحمد بن تيمية إلى سلطان المسلمين ، ومن
أيد الله فى دولته الدّين ، وأعزّ بها عباده المؤمنين ، وقمع فيها الكفّار
والمنافقين والخوارج المارقين ، نصره الله ونصر به الإسلام وأصلح له أمور الخاص
والعام، وأحيي به معالم الإيمان، وأقام به شرائع القرآن ، وأذلّ به أهل الكفر
والفسوق والعصيان . سلام عليكم ورحمة الله وبركاته . قال : أمّا بعد فقد صدق الله
وعده ونصر عبده وأعزّ جنده وهزم الأحزاب وحده . وأنعم الله على السلطان وعلى
المؤمنين فى دولته نعماً لم تعهد فى القرون الخالية وجدّد الإسلام فى أيامه
تجديداً بانت فضيلته على الدول الماضية وتحقّق فى ولا يته خبر الصادق المصدوق أفضل
الأولين والآخرين . الّذي أخبر فيه عن تجديد الدّين فى رؤوس المئين والله تعالى
يوزعه والمسلمين شكر هذه النعم العظيمة فى الدنيا والدّين ، ويتمّها بتمام النّصر
على سائر الأعداء المارقين . قال : وهم صنفان :- أهل الفجور والطغيان وذوو الغي
والعدوان الخارجون عن شرائع الإيمان طلباً للعلوّ فى الأرض والفساد وتركاً لسبيل
الهدى والرّشاد . وهؤلاء هم التتار ونحوهم من كلّ خارج عن شرائع الإسلام وإن تمسك
بالشهادتين أو ببعض سياسة الإسلام . والصنف الثاني :- أهل البدع المارقون وذوو
الضلال المنافقون الخارجون عن السنّة والجماعة المفارقون للشِرعَة والطاعة . مثل هؤلاء
الّذين غزوا بأمر السلطان من أهل الجبل والجرد والكسروان . فإنّ ما منّ الله به من
الفتح والنّصر على هؤلاء الطغام .هو من عزائم الأمور ألتى أنعم الله بها على
السلطان وأهل الإسلام . وذلك : أنّ هؤلاء وجنسهم من أكابر المفسدين فى أمر الدنيا
والدّين . فإنّ اعتقادهم : أنّ أبا بكر وعمر وعثمان وأهل بدر، وبيعة الرضوان
وجمهور المهاجرين والأنصار وأئمة الإسلام وعلمائهم أهل المذاهب الأربعة وغيرهم،
ومشايخ الإسلام وعبادهم وملوك المسلمين وأجنادهم وعوام المسلمين وأفرادهم .. كلّ
هؤلاء عندهم كفّار مرتدون، أكفر من اليهود والنصارى .. لأنّهم مرتدون عندهم ..
والمرتد شرّ من الكافر الأصلي. ولهذا السبب يقدمون الفرنج والتتار على أهل القرآن
والإيمان . ولهذا لما قدم التتار إلى البلاد، فعلوا بعسكر المسلمين ما لا يحصى من
الفساد، وأرسلوا إلى أهل قبرص فملكوا بعض الساحل وحملوا راية الصليب وحملوا إلى
قبرص من خيل المسلمين وسلاحهم وأسراهم ما لا يحصى عدده إلاّ الله . وأقام سوقهم
بالساحل عشرين يوماً يبيعون فيه المسلمين والخيل والسلاح على أهل قبرص . وفرحوا
بمجيء التتار هم وسائر أهل هذا المذهب الملعون ، مثل أهل جزين وما حواليها وجبل
عامل ونواحيه . ولما خرجت العساكر الإسلامية من الديار المصرية ظهر فيهم من الخزي
والنكال ما عرفه الناس منهم . ولما نصر الله الإسلام النصرة العظمى عند قدوم
السلطان كان بينهم شبيه العزاء .
وقال
: " تمام هذا الفتح وبركته تقدم مراسم السلطان بحسم مادة أهل الفساد ، وإقامة
الشريعة فى البلاد ، فإنّ هؤلاء القوم لهم من المشايخ والإخوان فى قرى كثيرة من
يقتدون بهم وينتصرون لهم ، وفى قلوبهم غلٌّ عظيم وإبطان معاداة شديدة .. لا يؤمنون
معها على ما يمكنهم ولو أنّه مباطنة العدوّ ، فإذا أمسك رؤوسهم الّذين يضلّونهم -
مثل بنى العود - زال بذلك من الشرّ مالا يعلمه إلاّ الله ….. ( الفتاوى . م 28/ ص:
398 ).
قال:
وهؤلاء "بنوا عبيد القداح" "مازالت علماء الأمّة، المأمونون علماً
وديناً يقدحون فى نسبهم ودينهم، لا يذمونهم بالرفض والتشيّع فإن بهم فى هذا شركاء
كثيرين ، بل يجعلونهم من القرامطة الباطنية الّذين منهم (الإسماعيلية) و
(النصيرية) ومن جنسهم (الخرمية) المحمرة وأمثالهم من الكفّار المنافقين ، الّذين
كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر" ( الفتاوى . م 35/ص : 131)
قال:
وكان فى أثناء دولتهم يخاف الساكن بمصر أن يروى حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم فيقتل. كما حكي ذلك إبراهيم بن سعد الحبال صاحب عبد الغنى بن سعيد، وأمتنع من
رواية الحديث خوفاً أن يقتلوه. وكانوا ينادون بين القصرين: من لعن وسبّ فله دينار
وإردب . وكان بالجامع الأزهر عدة مقاصير يلعن فيها الصحابة ، بل يتكلّم فيها بالكفر
الصريح . ( الفتاوى . م 35/ ص: 138)
قال:
"ولأجل ما كانوا عليه من الزندقة والبدعة بقيت البلاد المصرية مدّة دولتهم
نحو مائتي سنة قد انطفأ نور الإسلام والإيمان. حتى قال العلماء: إنّها كانت دار
ردّة ونفاق، كدار مسيلمة الكذّاب" (الفتاوى. م 35/ ص: 139)
قال:
فهؤلاء القرامطة هم فى الباطن والحقيقة أكفر من اليهود والنصارى .. وأمّا فى
الظاهر فيدّعون الإسلام بل وإيصال النسب إلى العترة النبوية وعلم الباطن الذي يوجد
عند الأنبياء والأولياء وأنّ إمامهم معصوم . فهم فى الظاهر من أعظم النّاس دعوى
بحقائق الإيمان وفى الباطن من أكفر النّاس بالرّحمن بمنزلة من أدّعى النبوة من
الكذّابين . قال تعالى: ?ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحى إليّ ولم
يوح إليه شيء ومن قال: سأنزل مثل ما أنزل الله? [الأنعام : 93]
قال:
فإنّ القاهرة بقى ولاة أمورها نحو مائتي سنة على غير شريعة الإسلام وكانوا يظهرون
أنّهم رافضة،وهم فى الباطن: إسماعيلية ونصيرية وقرامطة باطنية.
قال:
"وأتّفق طوائف المسلمين : علماؤهم وملوكهم وعامتهم من الحنفية والمالكية
والشافعية والحنابلة وغيرهم: على أنّهم كانوا خارجين عن شريعة الإسلام ، وإنّ
قتالهم كان جائزاً بل نصوا على أنّ نسبهم كان باطلاً وأنّ جدّهم كان عبيد الله بن
ميمون القداح، ولم يكن من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.(الفتاوى: م 28/ ص:
635) .
قال
: وأما " الدرزية " فاتباع " هشتكين الدرزي " وكان من موالى
" الحاكم " أرسله إلى أهل وادي تيم الله بن ثعلبة فدعاهم إلى إلــهية
الحاكم ويسمّونه " البارى " العلام " ويحلفون به وهم من
الإسماعيلية القائلين بأنّ " محمد بن إسماعيل " نسخ شريعة محمد بن عبد
الله وهم أعظم كفراً من الغالية يقولون بقدم العالم وإنكار المعاد وإنكار واجبات الإسلام
ومحرّماته وهم من القرامطة الّذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب "
وقال : كفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون بل من شكّ فى كفرهم فهو كافرٌ مثلهم
لا هم بمنزلة أهل الكتاب ولا المشركين بل هم الكفرة الضالّون فلا يباح أكل طعامهم
وتسبى نساؤهم وتؤخذ أموالهم فإنهم زنادقة مرتدون لا تقبل توبتهم بل يقتلون أينما
ثقفوا ويلعنون كما وصفوا ولا يجوز استخدامهم للحراسة والبوابة والحفاظ ويجب قتل
علمائهم وصلحائهم لئلا يضلّوا غيرهم " ( الفتاوى . م 35/ ص: 135)
قال:
وقد علم الناس من سيرة الحاكم ما علموه وما فعله هشتكين الدرزي بأمره من دعوة
الناس إلى عبادته ومقاتلته أهل مصر على ذلك ثم ذهابه إلى الشام حتى أضلّ وادي تيم
بن ثعلبة ، والزندقة والنفاق فيهم إلى اليوم ، وعندهم كتب الحاكم وقد أخذتها منهم
وقرأت ما فيها من عبادتهم الحاكم وإسقاطه عنهم الصلاة والزكاة والصيام والحجّ
وتسمية المسلمين الموجبين لهذه الواجبات المحرّمين لمّا حرّم الله ورسوله
بالحشوية. (الفتاوى: م 25/ ص: 135)
قال
: وأما النوع الثاني " فهو قول من يقول بالحلول والاتّحــاد فى معيّن
كالنصارى الّذين قالوا كذلك فى المسيح ( عيسى ) والغالية الّذين يقولون بذلك فى
علي بن أبى طالب وطائفة من أهل بيته والحاكمية الذين يقولون بذلك فى الحاكم
والحلاجية الّذين يقولون بذلك فى الحلاج واليونسية الّذين يقولون بذلك فى يونس ..
وأمثال هؤلاء ممن يقول بالإلــهية بعض البشر وبالحلول والاتّحاد فيه .. إلى أن قال
: فهؤلاء كفرهم شرّ من النصارى الّذين قالوا : إنّ الله هو المسيح ابن مريم "
أمّا ( الأولون ) الذين يعتقدون بوحدة الوجود فيقولون بالإطلاق ويقولون : النصارى
إنّما كفروا بالتخصيص . ثم قال : فهذا كلّه كفرٌ باطناً وظاهراً بإجماع كلّ مسلم ،
ومن شكّ فى كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر . كمن يشكّ فى
كفر اليهود والنصارى والمشركين " (الفتاوى: م 2/ ص: 368)
وقال:
" فإنّهم من جنس القرامطة الباطنية والإسماعيلية الّذين كانوا اكفر من اليهود
والنصارى ، وإنّ قولهم يتضمن الكفر بجميع الكتب والرسل كما قال الشيخ إبراهيم
الجعبري لما اجتمع بابن عربى - صاحب هذا الكتاب - فقال " رأيته شيخاً نجساً
يكذّب بكلّ كتاب أنزله الله وبكلّ رسول أرسله الله " ( الفتاوى .م 2/ ص: 130)
وقال:
"وهـكذا هؤلاء الاتّحادية فرؤوسهم هم أئمة كفر يجب قتلهم ولا تقبل توبة أحد
منهم إذا أخذ قبل التوبة . فإنه من أعظم الزنادقة الّذين يظهرون الإسلام ويبطنون
الكفر " ( الفتاوى .م 2/ص: 130)
قال:
ومن كان محسناً للظنّ بهم وادّعى أنّه لم يعرف حالهم عرف حالهم فإن لم يباينهم
ويظهر لهم الإنكار وإلاّ ألحق بهم وجعل منهم " وقال: ومن لم يكفّر هؤلاء وجعل
لكلامهم تأويلاً كان عن تكفير النصارى بالتثليث والاتّحاد أبعد" (الفتاوى: م
2/ ص: 133)
وقال:
عن أئمة الاتّحادية كابن عربى وابن سبعين والقونوى والتلمسانى: "والكلّ
مشتركون فى التجهم والتلمسانى أعظمهم تحقيقاً لهذه الزندقة والاتّحاد ألتى انفردوا
بها وأكفرهم بالله وكتبه ورسله وشرائعه واليوم الآخر" ( الفتاوى . م 2/ص:
175)
وسئل
- رحمه الله - :- " ما تقول أئمة الإسلام فى الحلاج ؟ و فيمن قال : أنا أعتقد
ما يعتقده الحلاج .ماذا يجب عليه ؟ فأجاب : الحمد لله . من اعتقد ما يعتقده الحلاج
من المقالات ألتى قتل الحلاج عليها فهو كافرٌ مرتدٌّ باتّفاق المسلمين . فإنّ
المسلمين إنّما قتلوه على الحلول والاتّحاد ونحو ذلك من مقالات أهل الزندقة
والإلحاد كقوله : أنا الله " وقوله : إله فى السماء وإله فى الأرض "
وبالجملة فلا حلاف بين الأمّة أنّ من قال بحلول الله فى البشر واتّحاده ، وأنّ
البشر يكون إلـهاً فهو كافرٌ مباح الدّم وعلى هـذا قُتل الحلاج " ( الفتاوى .
م / ) ..
لقد
عاصر الإمام ( ابن تيمية) التتار وكتب عنهم أمورا كثيرة ، واشترك فى الحروب التي
كانت ضدهم .. ولكن مجيء التتار وتغلبهم على الممالك الإسلامية يرجع إلى تاريخ بعيد
قبل ميلاد الإمام بخمس وأربعين سنة .. وقد مرّ "التتار" بأدوار ثلاثة
منذ غزوهم الأراضي الإسلامية فى سنة ( 616 هـ ) وما قبلها إلى أن سقطت دولتهم فى
سنة ( 736 هـ ) .
(الدور الأول ) : ما قبل
سقوط بغداد".
كان
"خوارزم شاه" ملكا على المماليك الإسلامية الشرقية وبلاد ما وراء النهر
( نهر جيحون ) . فنشبت الحرب بينه وبين ملك التتار ( جنكز خان ) .. فاستولى التتار
بلاد ما وراء النهر بعد معارك عنيفة وسقطت مدينة "بخارى وسمرقند"
وأبادوا السكان ثم عبروا نهر "جيحون إلى خراسان" سنة (616 هـ).. قال
(ابن كثير فى البداية والنهاية) عن حوادث هذه السنة: "وفيها عبرت التتار نهر
"جيحون" صحبة ملكهم "جنكزخان " من بلادهم .. وكانوا يسكنون
جبال " طمغاج " من أرض الصين ، ولغتهم مخالفة للغة التتار ، وهم من
أشجعهم وأصبرهم على القتال . وقال عن حوادث سنة ( 617هـ ) : وفي هذه السنة عمّ البلاء
وعظم العزاء بجنكزخان المسمّى بتموجين لعنه الله تعالى ومن معه من التتار قبحهم
الله أجمعين، واستقبل أمرهم واشتد إفسادهم من أقصى بلاد الصين إلى بلاد العراق وما
حولها حتى انتهوا إلى أربل وأعمالها فملكوا فى سنة واحدة - وهى هذه السنة - سائر
الممالك إلا العراق والجزيرة والشام ومصر .. وقهروا جميع الطوائف التى بتلك
النواحى ، الخوارزمية والقفجاق والكرج والّلان والخزر وغيرهم .. وقتلوا فى هذه
السنة من طوائف المسلمين وغيرهم من بلدان متعددة كبار ما لا يحد ولا يوصف وبالجملة
فلم يدخلوا بلدا إلا قتلوا جميع من فيه من المقاتلة والرجال وكثير من النساء
والأطفال وأتلفوا ما فيه بالنهب أن احتاجوا إليه وبالحريق أن لم يحتاجوا إليه ،
حتى إنهم كانوا يجتمعون الحرير الكثير الذى يعجزون عن حمله فيطلقون فيه النار وهم
ينظرون إليه ويخربون المنازل وما عجزوا عن تخريبه يحرقوه واكثر ما يحرقون المساجد
والجوامع .. وكانوا يأخذون الأسارى من المسلمين فيقاتلون بهم ويحاصرون بهم، وإن لم
ينصحوا فى القتال قتلوهم .. قال "إبن الأثير فى الكامل فى التاريخ" :
ولقد جرى لهؤلاء التتر ما لم يسمع بمثله قديم الزمان وحديثه : طائفة تخرج من حدود
الصين لا تنقضى عليهم سنة حتى يصل بعضهم إلى حدود بلاد أرمينية من هذه الناحية
ويجاوزون العراق من ناحية همدان وتالله لا أشك أن من يجئ بعدنا إذا بعد العهد ويرى
هذه الحادثة مسطورة ينكرها ويستبعدها .. وقال: "يسر الله للمسلمين والإسلام
من يحفظهم ويحوطهم ، فلقد دفعوا من العدو إلى أمر عظيم ومن المملوك المسلمين إلى
من لا تتعدى همته بطنه وفرجه، وقد عدم سلطان المسلمين "خوارزم شاة" ..
وقال : "فى البداية والنهاية" عن حوادث سنة 621ه : "فيها وصلت سرية
من جهة جنكزخان غير الأولتين إلى "الرىّ" وكانت قد عمرت قليلا فقتلوا
أهلها أيضا، ثم ساروا إلى "ساوة" ثم إلى "قم وقاسان"، ولم
تكونا طرقتا الا هذه المرّة ، ففعلوا بها مثل ما تقدم من القتل والسبى، ثم ساروا
إلى "همدان" فقتلوا أيضا وسبوا .. وقال فى حوادث 624ه: "وممن توفى
فيها من الأعيان جنكزخان": السلطان الأعظم عند التتار والد ملوكهم اليوم
ينتسبون إليه ، ومن عظم القان إنما يريد هذا الملك وهو الذى وضع لهم
"السياسا" التى يتحاكمون إليها ويحكمون بها وأكثرها مخالف لشرائع الله
تعالى وكتبه وهو شئ إقترحه من عند نفسه وتبعوه فى ذلك ، وكانت تزعم أمه أنها حملته
من شعاع الشمس ، فلهذا لا يعرف له أب والظاهر أنه مجهول النسب .. وقال فى حوادث
638ه : "وفيها قدم رسول من ملك التتار ( تولى إبن جنكزخان ) إلى ملوك الإسلام
يدعوهم إلى طاعته ويأمرهم بتخريب أسوار بلدانهم ، وعنوان الكتاب : " من نائب
ربّ السماء ، ما سح وجه الأرض ملك الشرق والغرب قان قان "..
(الدور الثانى ) : "قيام الدولة الإيلخانيـة
".
استطاع
"هولاكو حفيد جنكز خان" أن يؤسس دولة كبيرة فى الممالك الإسلامية التى
احتلها حوالى سنة 654ه .. ثم زحف بجيوشه الكثيرة نحو بغداد فاستولى عليها .. وقتل
الخليفة المستعصم ومن معه من الأمراء والعلماء ، ثم أباح المدينة لجنوده أربعين
يوما يقتلون وينهبون ، فأبادوا السكان ، وقتلوا كلّ من قدروا عليه إلا من التجأ
ببعض المنافقين الموالين للتتار كالوزير "إبن العلقمى" وأمثاله .. وكان
سقوط بغداد وقتل الخليفة سنة 656ه وأراد " هولاكوا " أن يتابع زحفه ،
فعبر الفرات واستولى على "دمشق" ، وفى تلك الأوقات الحرجة تولّى السلطة
فى مصر "سيف الدين قطز" وكان شجاعا حازما ناصحا للمسلمين ، فزحف بالجيوش
المصرية ، والتقى مع التتار بقيادة قائدهم "كثبغانوين" فى عين جالوت سنة
659ه فهزم الله التتار وقتلو ا مقتلة عظيمة ، وقتل قائدهم "كتبغا" ،
وغرق كثيرون فى نهر الفرات وبعد "عين جالوت" واندحار التتار وخروجهم من
الشام - أصبحت الشام ومصر تحت سلطة الدولة الإسلامية المعروفة بدولة
"المماليك" وأصبحت العراق جزءاً من دولة "المغول الإيلخانية"
التى كانت تحكم - البلاد الواقعة بين نهر "السند" شرقا ونهر الفرات غربا
ونهر "جيحون" شمالاً ، والمحيط الهندى جنوبا ، وهى بلاد العراق وإيران
وأفغانستان وجزء من باكستان وجزءاً من "سوفييت" وجزءاً من آسيا الصغرى
"تركيا" .. وقد ولد الإمام "إبن تيمية" بعد وقعة "عين
جالوت" بسنتين تقريبا فى سنة 661هـ.. ولما هلك "هولاكو" سنة 664ه
.. خلفه على الحكم ابنه " أبغا " واستمر حاكما على هذه البلاد الواسعة
من سنة 664 هـ إلى 680هـ وفى أواخر أيامه وقعت "وقعة حمص" بين التتار
وبين المسلمين بقيادة السلطان "قلاوون" .. قال الإمام "إبن كثير فى
البداية والنهاية" يصف هذه الوقعة فى سنة 680هـ : لما كان يوم الخميس رابع
عشر رجب التقى الجمعان وتواجه الخصمان عند طلوع الشمس وعسكر التتر فى مائة الف
فارس وعسكر المسلمين على النصف من ذلك أو يزيد قليلا والجميع فيما بين مشهد
"خالد بن الوليد" إلى الرستن فاقتتلوا قتالا عظيما لم ير مثله من أعصار
متطاولة ، فاستظهر التتار أول النهار وكسروا الميسرة واضطربت الميمنة أيضا وبالله
المستعان ، وكسر جناح القلب الإيسر وثبت السلطان ثباتا عظيما جدا فى جماعة قليلة ،
وقد إنهزم كثير من عسكر المسلمين والتتار فى أثارهم حتى وصلوا وراءهم إلى بحيرة
"حمص" ووصلوا حمص وهى مغلقة الأبواب وقتلوا خلقا من العامة وغيرهم ، واشرف
المسلمون على خطة عظيمة من الهلاك .. ثم أن اعيان الأمراء من الشجعان والفرسان
تآمروا فيما بينهم مثل "سنقر الأشقر وبيسرى وطيبرس الوزيرى بدر الدين أمير
سلاح وأيتمس السعدى وحسام الدين لاجين وحسام الدين طرنطاى والدويدارى"
وأمثالهم ، لما رأوا ثبات السلطان ردّوا إلى السلطان وحملوا حملات متعددة صادقة ،
ولم يزالوا يتابعون الحملة بعد الحملة حتى كسر الله بحوله وقوته التتر وجرح
"منكوتمر إبن هولاكوا" وجاءهم الأمير "عيسى بن مهنا" من ناحية
العرض فصدم التتر فاضطربت الجيوش لصدمته ، وتمت الهزيمة ولله الحمد ، وقتلوا من التتار
مقتلة عظيمة جدا ، ورجعت من التتار الذين اتبعوا المنهزمين من المسلمين فوجدوا
أصحابهم قد كسروا والعساكر فى أثارهم يقتلون ويأسرون والسلطان ثابت فى مكانه تحت
السناجق والكوسات تضرب خلفه وما معه إلا ألف فارس فطمعوا فيه فقاتلوا فثبت لهم
ثباتا عظيما فانهزموا من بين يديه فلحقهم فقتل أكثرهم وكان ذلك تمام النصر ، وكان
إنهزام التتار قبل الغروب ، وافترقوا فرقتين أخذت فرقة منهم إلى ناحية سلمية
والبرية ، والأخرى إلى ناحية حلب والفرات فأرسل السلطان فى أثارهم من يتبعهم ..
وقال "إبن كثير" : وقد جاء "أبغا" هذا بنفسه فنزل قريبا من
الفرات ليرى ماذا يكون من الأمر فلما جرى عليهم ما جرى ساءه ذلك ومات غما وحزناً
.. ومن ملوك التتار "أرغون بن أبغا" وكانت مدة ملكه ثمان سنين من سنة
682هـ إلى 690هـ .. وممن جاء بعده إبنه قازان "محمود" فى الملك واستمر
حاكما من سنة 694هـ إلى 703هـ .. وهو الذى ادّعى الإسلام بعد أن أسلم كثير من
التتار ، ولم يكن إسلامه صحيحا لأنه كان خارجاً عن جوانب كثيرة من الشريعة ، وحاول
الإستيلاء على الشام مرتين ، وكان ملوك "الدولة الإيلخانية" متبعين
لأحكام "الياسق" الذى وضع لهم جدهم "جنكزخان" الكافر ..
(الدور الثالث ) : التتار بعد إدّعاء الإسلام..
بعد
حوالى نصف قرن من قيام الدولة الإيلخانية دخل كثير من التتار الإسلام بعد أن
تأثروا بالعقيدة الإسلامية والحياة الإسلامية المتحضرة ، فاضطرّ "قازان"
أن يعلن إسلامه خوفا من زوال ملكه .. قال الإمام "إبن كثير" فى ذكره من
توفى من الأعيان فى سنة 696هـ ، وفيها قتل "قازان الأمير نوروز" الذى
كان إسلامه على يديه ، كان "نوروز" هذا هو الذى استسلمه ودعاه للإسلام
فأسلم وأسلم معه أكثر التتر ، فإن التتر شوشوا خاطر "قازان" عليه
واستمالوه منه وعنه ، فلم يزل به حتى قتله وقتل جميع من ينسب إليه ، وكان نوروز
هذا من خيار أمراء التتر عند "قازان" وكان ذا عبادة وصدق فى إسلامه
وأذكاره وتطوعاته وقصده الجيّد رحمه الله وعفا عنه ، ولقد أسلم على يديه منهم خلق
كثير لا يعلمهم إلا الله واتخذوا السبح وإلهيا كل وحضروا الجمع والجماعات وقرأوا
القرآن ، والله أعلم .. أهـ .. وقد كان قازان مع إدّعائه للإسلام مفسدا فى الأرض
مستحلا لدماء المسلمين وأموالهم وفى سنة 699هـ غزا الشام وكسر الجنود المسلمين ،
وأراد أن يدخل "دمشق" .. قال "إبن كثير" عن حوادث هذه السنة :
هذا وسلطان التتار قد قصد دمشق بعد الوقعة فاجتمع أعيان البلد والشيخ تقى الدين
إبن تيمية فى مشهد علىّ واتفقوا على المسير إلى "قازان" لتلقيه وأخذ
الأمان منه لأهل دمشق ، فتوجهوا يوم الأثنين ثالث ربيع الآخر فاجتمعوا به عند
النبك وكلمه الشيخ تقى الدين كلاما قويا شديدا فيه مصلحة عظيمة عاد نفعها على
المسلمين ولله الحمد .. واقترب جيشه التتر وكثر العيث فى ظاهر البلد وقتل جماعة
وغلت الأسعار بالبلد جدا وأرسل "قبجق" أعيان البلد فكلموه أيضا فلم
يجبهم إلى ذلك ، وصمم على ترك تسليمها إليهم وبها عين تطرف ، فإن الشيخ تقىالدين
بن تيمية أرسل إلى نائب القلعة يقول له ذلك : ( لو لم يبق فيها إلا حجر واحد فلا
تسلّمهم ذلك إن استطعت ) ، وكان فى ذلك مصلحة عظيمة لأهل الشام فإن الله حفظ لهم
هذا الحصن والمعقل الذى جعله الله حرزا لأهل الشام التى لا تزال دار إيمان وسنة
حتى ينزل بها عيسى إبن مريم .. وفى يوم السبت النصف من ربيع الآخرشرعت التتار
وصاحب سيس فى نهب الصالحية ومسجد الأسدية ومسجد خاتون ودار الحديث الأشرفية بها
واخترق جامع التوبة بالعقيبية وكان هذا من جهة الكرج والأرمن من النصارى الذين هم
مع التتار قبحهم الله ، وسبوا من أهلها خلقا كثيرا وجما غفيرا وجاء أكثر الناس إلى
رباط الحنابلة فاحتاطت به التتار فحماه منهم شيخ الشيوخ المذكور قال : ( ثم أقحموا
عليه فسبوا منه خلقا كثيرا من بنات المشايخ وأولادهم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون
.. قال : ( ويقال إنهم قتلوا من أهل الصالحية قريبا من أربعمائة وأسروا نحو من
أربعة آلاف أسير ، ونهبت كتب كثيرة من الرباط الناصرى والضيائية وخزانة إبن
البزورى وكانت تباع وهى مكتوب عليها الوقفية وفعلوا بالمزّة مثل ما فعلوا
بالصالحية وكذلك بداريا وبغيرها ، وتحصّن الناس منهم فى الجامع بداريا ففتحوه قسرا
وقتلوا منهم خلقا وسبوا نساءهم وأولادهم فإنّا لله وإنّا إليه راجعون .. وخرج الشيخ
"إبن تيمية" فى جماعة من أصحابه يوم الخميس العشرين من ربيع الآخر إلى
ملك التتر وعاد بعد يومين ولم يتفق إجتماعه به ، حجبه عنه الوزير سعد الدين
والرشيد مشير الدولة المسلمانى إبن يهودى والتزما له بقضاء الشغل ، وذكرا له إن
التتر لم يحصل لكثير منهم شئ إلى الآن ، ولابد لهم من شئ : واشتهر بالبلد إن التتر
يريدون دخول دمشق فانزعج الناس لذلك وخافوا خوفا شديدا وأرادوا الخروج منها والهرب
على وجوههم أين الفرار ولات حين مناص وقد أخذ من البلد فوق العشرة آلاف فرس ، وشرع
التتر فى عمل مجانيق بالجامع ليرموا بها القلعة من صحن الجامع وغلقت أبوابه ونزل
التتار فى مشاهده يحرسون أخشاب المجانيق وينهبون ما حوله من الأسواق ، وأحرق
"ارجوان" ما حول القلعة من الأبنية كدار الحديث الأشرفية وغير ذلك إلى
حدّ العادلية الكبيرة وأحرق دار السعادة لئلا يتمكنوا من محاصرة القلعة من أعاليها
، ولزم الناس منازلهم لئلا يسخروا فى طمّ الخندق وكانت الطرقات لا يرى بها أحد إلا
القليل والجامع لا يصلى فيه أحد إلا اليسير ، ويوم الجمعة لا يتكامل فيه الصف
الأول وما بعده إلا بجهد جهيد ، ومن خرج من منـزله فى ضرورة يخرج بثياب زيهم ثم
يعود سريعا ويظن أنه لا يعود إلى أهله ، وأهل البلد قد أذاقهم الله لباس الجوع
والخوف بما كانوا يصنعون فإنا لله وإنا إليه راجعون ".. وفى ذلك اليوم
"التاسع عشر جمادى الأولى" توجه السلطان "قازان" وترك نوابه
بالشام ستين ألف مقاتل نحو بلاد العراق ، وجاء كتابه : " إنا قد تركنا نوابنا
بالشام فى ستين ألف مقاتل وفى عزمنا العود إليها فى زمن الخريف والدخول إلى الديار
المصرية وفتحها ، وقد أعجزتهم القلعة إن يصلوا إلى حجر منها ، " ونودى
بالجامع بعد الصلاة ثالث رجب من جهة نائب القلعة بأنّ العساكر المصرية قادمه إلى
الشام وفى عشية يوم السبت رحل بولاى وأصحابه من التتر وانشمروا عن دمشق وقد أراح
الله منهم وساروا من على عقبة دمر فعاثوا فى تلك النواحى فسادا ولم يأت سابع الشهر
وفى حواشى البلد منهم أحد وقد أزاح الله عز وجلّ شرّهم عن العباد والبلاد ،
"ونادى أرجوان" فى البلد : "أحفظوا الأسوار وأخرجوا ما كان عندكم
من الأسلحة ولا تهملوا الأسوار والأبواب ولا يـبيتنّ أحد إلا على السور ، ومن بات
فى داره شنق ، فاجتمع الناس على الأسوار لحفظ البلاد ، وكان الشيخ تقى الدّين بن
تيمية يدور كلّ ليلة على الأسوار يحرّص الناس على الصبر والقتال ويتلوا عليهم آيات
الجهاد والرباط ، " وفى بكرة يوم الجمعة المذكور "سابع عشر رجب"
دار الشيخ "تقى الدين إبن تيمية" رحمه الله وأصحابه على الخمارات
والحانات فكسروا آنية الخمور وشققوا الظروف واراقوا الخمور وعزروا جماعة من أهل
الحانات المتخذة لهذه الفواحش ففرح النّاس بذلك" .. "وفى يوم الجمعة
العشرين من "شوال" ركب نائب السلطنة "جمال الدّين أقوش
الأفرم" فى جيش دمشق إلى جبال "الجرد وكسروان" وخرج الشيخ تقى
الدين ومعه خلق كثير من المتطوعة والحوارنة لقتال أهل تلك الناحية بسبب فساد نيتهم
وعقائدهم وكفرهم وضلالهم وما كانوا عاملوا به العساكر لما كسرهم التتر وهربوا حين
اجتازوا ببلادهم ، وثبوا عليهم ونهبوهم وأخذوا أسلحتهم وخيولهم وقتلوا كثيرا منهم
، فلما وصلوا إلى بلادهم جاء رؤساءهم إلى الشيخ "تقى الدّين إبن تيمية"
فاستتابهم وبيّن للكثير منهم الصواب وحصل بذلك خير وانتصار كبير على أولئك
المفسدين والتـزموا برد ما كانوا أخذوه من أموال الجيش وقرر عليهم أموالا كثيرة
يحملونها إلى بيت المال واقطعت أراضيهم وضياعهم ولم يكونوا قبل ذلك يدخلون فى طاعة
الجند ولا يلتـزمون أحكام الملّة ، ولا يدينون دين الحقّ ، ولا يحرّمون ما حرّم
الله ورسوله" .. وقال سنة 700هـ : " وفى مستهلّ صفر وردت الأخبار بقصد
التتر بلاد الشام وأنهم عازمون على دخول مصر فانزعج الناس لذلك وازدادوا ضعفا على
ضعفهم وطاشت عقولهم وألبابهم وشرع الناس فى الهرب إلى بلاد مصر والكرك والشوبك
والحصون المنيعة ، فبلغت الحمارة إلى مصر خمسمائة وبيع الجمل بألف والحمار
بخمسمائة ، وبيعت الأمتعة والثياب والمغالات بأرخص الأثمان ، وجلس الشيخ تقى الدين
"إبن تيمية" فى ثانى صفر بمجلسه فى الجامع وحرّض الناس على القتال وساق
لهم الآيات والأحاديث الواردة فى ذلك ، ونهى عن الإسراع فى الفرار ، ورغب فى إنفاق
الأموال فى الذب عن المسلمين وبلادهم وأموالهم ، وإن ما ينفق فى أجرة الهرب إذا
أنفق فى سبيل الله كان خيرا وأوجب جهاد التتر حتما فى هذه الكرّة وتابع المجالس فى
ذلك ونودى فى البلاد لا يسافر أحد إلا بمرسوم وورقة فتوقف الناس عن السير وسكن
جأشهم وتحدث الناس بخروج السلطان من القاهرة بالعساكر ودقت البشائر لخروجه"
.. "وفى أول ربيع الآخر قوى الإرجاف بأمر التتر وجاء الخبر بأنهم قد وصلوا
إلى البيرة" .. "ثم جآءت الأخبار بأن سلطان مصر رجع عائدا إلى مصر بعد
أن خرج منها قاصدا الشام فكثر الخوف واشتد الحال وكثرت الأمطار جدا وصار بالطرقات
من الأوحال والسيول ما يحول بين المرء وبين ما يريده من الإنتشار فى الأرض والذهاب
فيها ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ".. " وخرج كثير من الناس خفافا
وثقالا يتحملون بأهليهم وأولادهم ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون وجعلوا
يحملون الصغار فى الوحل الشديد والمشقة على الدواب والرقاب وقد ضعفت الدواب من
قلّة العلف مع كثرة الأمطار والزلق والبرد الشديد والجوع وقلة الشئ فلا حول ولا
قوة إلا بالله ".. واستهلّ جمادى الأولى والناس على خطة صعبة من الخوف وتأخر
السلطان واقترب العدو ، وخرج الشيخ "تقى الدين إبن تيمية" رحمه الله
تعالى فى مستهل هذا الشهر وكان يوم السبت إلى نائب الشام فى المرج فثبتهم وقوى
جأشهم وطيب قلوبهم ووعدهم النصر والظفر على الأعداء وتلا قوله تعالى: ﴿ومن عاقب
بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه لينصرنه الله ان الله لعفو غفور﴾.. وبات عند العسكر
ليلة الأحد ثم عاد إلى "دمشق" وقد سأله النائب والأمراء أن يركب على
البرد إلى "مصر" يستحثّ السلطان على المجئ فساق وراء السلطان ، وكان
السلطان قد وصل إلى الساحل فلم يدركه إلا وقد دخل القاهرة وتفارط الحال ولكنه
إستحثّهم على تجهيز العساكر إلى الشام إن كان لهم به حاجة ، وقال لهم فيما قال :
" إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته أقمنا له سلطانا يحوطه ويحميه ويستغله فى
زمن الأمن " ولم يزل بهم حتى جردت العساكر إلى الشام ، ثم قال لهم : "
لو قدر إنكم لستم حكام الشام ولا ملوكه واستنصركم أهله وجب عليكم النصر ، فكيف
وأنتم حكامه وسلاطينه وهم رعاياكم وأنتم مسئولون عنهم وقوى جأشهم وضمن لهم النصر
هذه الكرّة فخرجوا إلى الشام فلما تواصلت العساكر إلى الشام فرح الناس فرحا شديدا
بعد أن كانوا قد يئسوا من أنفسهم وأهليهم وأموالهم " .. ورجع الشيخ "تقى
الدين إبن تيمية" من الديار المصرية فى السابع والعشرين من جمادى الأولى على
البريد وأقام بقلعة مصر ثمانية أيام يحثهم على الجهاد والخروج إلى العدو وقد إجتمع
بالسلطان والوزير وأعيان الدولة فأجابوه إلى الخروج " ، ثم جاءت الأخبار بأنّ
ملك التتار قد خاض الفرات راجعا عامه ذلك لضعف جيشه وقلّة عددهم قطابت النفوس لذلك
وسكن الناس " .. وقال عن حوادث سنة 702 هـ : وفى شهر رجب قويت الأخبار بعزم
التتار على دخول بلاد الشام فانزعج الناس لذلك واشتد خوفهم جدا وقنت الخطيب فى
الصلوات وقرئ البخارى وشرع الناس فى الجفل إلى الديار المصرية والكرك والحصون
المنيعة ، وتأخر مجئ العساكر المصرية عن إبانها فاشتدّ لذلك الخوف ، ووصل التتار
إلى حمص وبعلبك وعاثوا فى تلك الأراضى فسادا وقلق الناس قلقا عظيما وخافوا خوفا
شديدا"، "وتحدث الناس بالأراجيف فاجتمع الأمراء يوم الأحد المذكور
بالميدان وتحالفوا على لقاء العدو وشجعوا أنفسهم ونودى بالبلدان أن لا يرحل أحد
منه فسكن الناس ، وجلس القضاة بالجامع وحلفوا جماعة من الفقهاء والعامة على القتال
، وتوجه الشيخ "تقى الدين إبن تيمية" إلى العسكر الواصل من
"حماة" فاجتمع بهم فى القطيعة فأعلمهم بما تحالف عليه الأمراء والناس من
لقاء العدو فأجابوا إلى ذلك وحلفوا معهم ، وكان الشيخ "تقى الدين إبن
تيمية" يحلف للأمراء والناس: إنكم فى هذه الكرّة منصورون ، فيقول له الأمراء
: " قل إن شآء الله" ، فيقول : "إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً،
وكان يتأول فى ذلك أشياء من كتاب الله منها قوله تعالى: ﴿ثم بغى عليه لينصرنه
الله﴾ .. وقد تكلّم الناس في كيفية قتال هؤلاء التتار من أيّ قبيل هو ، فإنّهم
يظهرون الإسلام وليسوا بغاة على الإمام ، فإنّهم لم يكونوا في طاعته فى وقت ثم
خالفوه . فقال الشيخ تقي الدين : " هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على
عليّ ومعاوية ورأوا أنّهم أحقّ بالأمر منهما، وهؤلاء يزعمون أنّهم أحقّ بإقامة
الحقّ من المسلمين . ويعيبون على المسلمين ما هم متلبسون به من المعاصي والظلم،
وهم متلبسون بما هو أعظم منه بإضعاف مضاعفة فتفطّن العلماء والنّاس لذلك . وكان
يقول: "إذا رأيتموني من ذلك الجانب وعلى رأسي مصحف فاقتلوني " فتشجّع
الناس فى قتال التتار وقويت قلوبهم ونياتهم ولله الحمد " "ولمّا كان يوم
الرّابع والعشرين من شعبان خرجت العساكر الشامية فخيمت على الجسورة من ناحية
الكسوة ومعهم القضاة .. فصار النّار فيهم فريقين ، فريقٌ يقولون : إنّما ساروا
ليختاروا موضعاً للقتال فإنّ المرج فيه مياه كثيرة فلا يستطيعون معها القتال ،
وقال فريقٌ : إنّما ساروا لتلك الجهة ليهربوا وليلحقوا بالسلطان .. فلمّا كانت
ليلة الخميس ساروا إلى ناحية الكسوة فقويت ظنون الناس فى هربهم وقد وصلت التتار
إلى " قارة " وقيل أنّهم وصلوا إلى " القطيعة " فأنزعج الناس
لذلك شديداً ، ولم يبق حول القرى والحواضر أحدٌ وامتلأت القلعة والبلد وازدحمت
المنازل والطرقات واضطرب الناس . وخرج الشيخ تقي الدّين ابن تيمية صبيحة يوم
الخميس من الشهر المذكور من باب النصر بمشقة كبيرة وصحبته جماعة ليشهد القتال
بنفسه ومن معه .. فظنّوا أنّه أنّما خرج هارباً فحصل اللّوم من بعض الناس وقالوا:
أنت منعتنا من الجفل وهاأنت هارب من البلد؟ فلم يردّ عليهم". "وحيل بين
الناس وبين خبر الجيش انقطعت الطرق إلى الكسوة وظهرت الوحشة على البلد والحواضر
وليس للناس شغل غير الصعود الى المآذن ينظرون يميناً وشمالاً وإلى ناحية الكسوة
" " فلمّا كان آخر هذا اليوم ( يوم الخميس التاسع والعشرين من شعبان )
وصل الأمير فخر الدّين اياس المرقبي أحد أمراء دمشق فبشّر النّاس بخير ، هـو أنّ
السلطان قد وصل وقت اجتمعت العساكر المصرية والشامية وقد أرسلني أكشف هل طرق البلد
أحد من التتار . فوجد الأمر كما يحبّ لم يطرقها أحد منهم ، وذلك أنّ التتار عرجوا
من دمشق إلى ناحية العساكر المصرية ولم يشتغلوا بالبلد ، وقد قالوا : إن غلبنا
فإنّ البلد لنا وإن غُلبنا فلا حاجة لنا به " " وأثبت الشهر ليلة الجمعة
القاضى تقي الدّين الحنبلي ، فإنّ السماء كانت مغيمة فعلقت القناديل وصُليت
التراويح واستبشر الناس بشهر رمضان وبركته . وأصبح الناس يوم الجمعة فى همّ شديد
وخوف أكبر لأنّهم لا يعلمون من خبر الناس " " أصبح الناس يوم السبت على
ما كانوا عليه من الخوف وضيق الأمر فرأوا من المآذن سواداً وغبرة من ناحية العسكر
والعدوّ فغلب على الظنون أنّ الوقعة فى هذا اليوم فابتهلوا إلى الله عزّ وجلّ
بالدعاء فى المساجد والبلد وطلع النساء والصغار على الأسطحة وكشفوا رؤوسهم وضجّ
البلد ضجّة عظيمة ، ووقع فى ذلك الوقت مطرٌ عظيم غزير ، ثم سكن الناس فلما كان بعد
الظهر قُرأت بطاقة بالجامع تتضمن أنّ فى الساعة الثانية من نهار السبت هذا اجتمعت
الجيوش الشامية والمصرية مع السلطان فى مرج الصفر ، وفيها طلب الدعاء من الناس
والأمر بحفظ القلعة والتحرز على الأسوار ، فدعا الناس فى المآذن والبلد وكان يوماً
مزعجاً هائلاً . " وأصبح الناس يوم الأحد يتحدثون بكسر التتار وخرج الناس إلى
ناحية الكسوة فرجعوا ومعهم شيء من المكاسب ومعهم رؤوس من رؤوس التتار، وسارت كسرة
التتار تقوي وتتزايد قليلاً قليلاً حتى اتضحت جملة . ولكنّ الناس لما عندهم من
شدّة الخوف وكثرة التتار لا يصدّقون" " ثم جاءت بطاقة بعد العصر من نائب
السلطان جمال الدّين أقوش الأفرم إلى نائب القلعة مضمونها أنّ الوقعة كانت من
العصر يوم السبت الى الساعة الثانية من يوم الأحد وأنّ السيف كان يعمل فى رقاب
التتار ليلاً ونهاراً وأنّهم هربوا وفرّوا واعتصموا بالجبال والتلال وأنّه لم يسلم
منهم إلاّ القليل، فأمسى الناس وقد استقرّت خواطرهم وتباشروا لهذا الفتح العظيم
والنصر المبارك " " وفى يوم الإثنين رابع الشهر رجع الناس من الكسوة إلى
دمشق فبشروا الناس بالنصر وفيه دخل الشيخ تقي الدّين ابن تيميه البلد ومعه أصحابه
من الجهاد ففرح الناس به ودعوا له وهنؤ ه بما يسر الله على يديه من الخير ، وذلك
أنّه ندبه العسكر الشامي أن يسير إلى السلطان يستحثّه على السير إلى دمشق فسار
إليه فحثّه على المجيء إلى دمشق بعد أن كاد يرجع إلى مصر . فجاء هو وأياه جميعاً
فسأله السلطان أن يقف معه فى معركة القتال، فقال له الشيخ : السنّة أن يقف الرجل
تحت راية قومه، ونحن من جيش الشام لا نقف إلاّ معهم. وحرّض السلطان على القتال
وبشّره بالنّصر وجعل يحلف بالله الذي لا إله إلاّ هو إنّكم منصورون عليهم فى هذه
المرّة ، فيقول له الأمراء قل: "إن شاء الله" فيقول إن شاء الله تحقيقاً
لا تعليقاً . وأفتى الناس بالفطر مدّة قتالهم وأفطر هو أيضاً .. وكان يدور على الأجناد
والأمراء فيأكل من شيء معه في يده ليعلّمهم أنّ إفطارهم ليقووا على القتال أفضل
فيأكل الناس . وكان يتأوّل فى الشاميين قوله صلى الله عليه وسلم (إنّكم ملاقوا
العدوّ غداً والفطر أقوى لكم فعزم عليهم فى الفطر عام الفتح كما فى حديث أبى سعيد
الخدري. " ولمّا اصطفت العساكر والتحم القتال ثبت السلطان ثباتاً عظيماً،
وأمر بجواده فقيّد حتى لا يهرب وبايع الله تعالى فى ذلك الموقف وجرّت خطوب عظيمة
وقتل جماعة من سادات الأمراء يومئذ منهم الأمير حسام الدّين لاجين الروميّ أستاذ
دار السلطان وثمانية من الأمراء المقدمين معه وسلاح الدّين بن الملك السعيد الكامل
بن السعيد بن الصالح إسماعيل وخلق من كبار الأمراء .. ثم نزل النصر على المسلمين
قريب العصر يومئذ واستظهر المسلمون عليهم ولله الحمد والمنّة " فلمّا جاء
الليل لجأ التتار إلى اقتحام التلول والجبال والآكام فأحاط بهم المسلمون يحرسونهم من
الهرب ويرمونهم عن قوس واحدة إلى وقت الفجر فقتلوا منهم ما لا يعلم عدده إلاّ الله
عزّ وجلّ . وجعلوا يجيئون بهم فى الحبال فتضرب أعناقهم ثم اقتحم جماعة منهم
الهزيمة فنجا منهم قليل .. ثم كانوا يتساقطون فى الأودية والمهالك ثم بعد ذلك غرق
منهم جماعة فى الفرات بسبب الظلام وكشف الله بذلك عن المسلمين غمّة عظيمة شديدة
ولله الحمد والمنّة" (اهـ).
هـذه
الوقائع التاريخية المسجّلة فى كتاب " البداية والنهاية " " للحافظ
ابن كثير " إنّما سردناها لنفهم " الواقع " الذي كان يعيش فيه
الإمام " ابن تيميه " والظروف التي كانت محيطة به وبمن معه من المسلمين
" أهل الشام " و " مصر " والآن ننتقل إلى أقوال الإمام
وفتاواه فى حكم أولئك التتار خاصة والخارجين عن الشريعة عامة . وسيظهر لك بوضوح من
أقواله الصريحة أنّ الإمام :
(
أولاً ) لم يكن يري صحة إسلام التتار وكانوا قوماً معينين .
(
ثانياً ) لم يكن يري أنّ إسلامهم قد تمّ بمجرّد نطقهم بالشهادتين .
(
ثالثاً ) لم يعذرهم بالجهل ولا بالإكراه .. بل أوجب جهادهم وقتلهم وإن كانوا
مكرهين . جاء فى (مجموعة الفتاوى) م 28 ص : 410 . ما يأتي :
"وكتب
شيخ الإسلام أحمد بن تيميه - قدس الله روحه - لما قدم العدوّ من التتار سنة تسع
وتسعين وستمائة إلى (حلب) وأنصرف عسكر مصر وبقي عسكر الشام .
"بسم
الله الرحمن الرحيم" إلى من يصل إليه من المؤمنين والمسلمين - أحسن الله
إليهم فى الدنيا والآخرة ، وأسبغ عليهم نعمه باطنة وظاهرة ونصرهم نصراً عزيزاً وفتح
عليهم فتحاً كبيراً ، وجعل لهم من لدنه سلطاناً نصيراً وجعلهم معتصمين بحبله
المتين ، مهتدين إلى صراطه المستقيم - سلام عليكم ورحمة الله وبركاته . فأنّا نحمد
إليكم الله ألذي لا إله إلاّ هو وهو للحمد أهل ، وهو على كلّ شيء قدير ، ونسأله أن
يصلّى على صفوته من خليقته ، وخيرته من بريته محمد عبده ورسوله صلّى الله عليه
وعلى آله وسلّم تسليماً … أمّا بعد : فإنّ الله عزّ وجلّ بعث محمداً صلى الله عليه
وسلم بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ، وكفى بالله شهيداً ، وجعله خاتم
النبيين .. وسيد ولد آدم من النّاس أجمعين ، وجعل كتابه الذي أنزله عليه مهيمناً
على ما بين يديه من الكتب ومصدقاً لها ، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون
بالمعروف وينهون عن المنكر ، فهم يوفون سبعين فرقة هم خيرها وأكرمها على الله وقد
أكمل لهم دينهم ، وأتمّ عليهم نعمته ورضى لهم الإسلام ديناً . فليس دين أفضل من
دينهم الذي جاء به رسولهم ، ولا كتاب أفضل من كتابهم ، ولا أمة خير من أمتهم . بل
كتابنا ونبينا وديننا وأمتنا أفضل من كلّ كتاب ودين ونبيّ وأمةٍ . فاشكروا الله
على ما أنعم به عليكم ﴿فمن شكر فإنّما يشكر لنفسه ومن كفر فإنّ ربّي غنيّ كريم﴾
واحفظوا هذه التي بها تنالون نعيم الدنيا والآخرة واحذروا أن تكونوا ممن بدل نعمة
الله كفراً فتعرضون عن حفظ هذه النعمة ورعايتها فيحيق بكم ما حاق بمن أنقلب على
عقبيه ، وأشتغل بما لا ينفعه من أمر الدنيا عما لا بدل له منه من مصلحة دينه
ودنياه ، فخسر الدنيا والآخرة . فقد سمعتم ما نعت الله به الشاكرين والمنقلبين حيث
يقول : ﴿وما محمدٌ إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على
أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شياً وسيجزي الله الشاكرين﴾ أنزل الله
سبحانه هذه الآية وما قبلها وما بعدها فى غزوة "أحد" لمّا أنكسر
المسلمون مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقتل جماعة من خيار الأمة، وثبت رسول الله
صلى الله عليه وسلم مع طائفة يسيرة حتى خلص إليه العدوّ وكسروا رباعيته وشجّوا
وجهه، وهشموا البيضة على رأسه، وقتل وجرح دونه طائفة من خيار أصحابه لذبهم عنه،
ونعق الشيطان فيهم: إنّ محمداً قد قتل، فزلزل ذلك قلوب بعضهم حتى أنهزم طائفة وثبت
الله آخرين حتى ثبتوا. وكذلك لما قبض النبيّ صلى الله عليه وسلم فتزلزلت القلوب ،
واضطرب حبل الدّين ، وغشيت الذلّة من شاء الله من الناس حتى خرج عليهم الصدّيق رضي
الله عنه فقال: "من كان يعبد محمداً فإنّ محمداً قد مات ومن كان يعبد الله
فإنّ الله حيّ لا يموت" وقرأ قوله: ﴿وما محمدٌ إلاّ رسول قد خلت من قبله
الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله
شياً وسيجزي الله الشاكرين﴾ . فكأنّ الناس حتى تلاها الصدّيق رضي الله عنه فلا
يوجد من النّاس إلاّ من يتلوها وارتدّ بسبب موت الرسول صلى الله عليه وسلم لما حصل
لهم من الضعف جماعات من الناس: قوم ارتدوا عن الدّين بالكلية. وقوم ارتدّوا عن
بعضه، فقالوا: نصلّى ولا نزكّى. وقوم ارتدّوا عن إخلاص الدّين الذي جاء به محمد
صلى الله عليه وسلم. فأمنوا مع محمد بقوم مع النبيّين الكاذبين، كمسيلمة الكذّاب
وطليحة الأسدى وغيرهما … فقام إلى جهادهم الشاكرون الذين ثبتوا على الدّين، أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم، من المهاجرين والأنصار والطلقاء والأعراب ومن
أتبعهم بإحسان الذين قال الله عزّ وجلّ فيهم: ﴿ياْءيها الذين آمنوا من يرتدد منكم
عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبونه﴾ هم أولئك الذين جاهدوا المنقلبين على
أعقابهم الذين لم يضرّوا الله شياً .
وما
أنزل الله فى القرآن من آية إلاّ وقد عمل بـها قوم وسيعمل بـها آخرون. فمن كان من
الشاكرين الثابتين على الدّين، الّذين يحبهم الله عزّ وجلّ ورسوله، فإنّه يجاهد
المنقلبين على أعقابـهم الّذين يخرجون عن الدّين، ويأخذون بعضه ويدّعون بعضه كحال
هؤلاء القوم المجرمين المفسدين الّذين خرجوا على أهل الإسلام وتكلّم بعضهم
بالشهادتين وتسمّى بالإسلام من غير التزام شريعته.
فإنّ
عسكرهم مشتملٌ على أربع طوائف:
(1)
كافرة باقية على كفرها : من الكرج والأرمن والمغل .
(2)
وطائفة كانت مسلمة فارتدت عن الإسلام وانقلبت على عقبيها : من العرب ، والفرس
والروم وغيرهم . وهؤلاء أعظمهم جرماً عند الله وعند رسوله والمؤمنين من الكافر
الأصلي من وجوه كثيرة . فإنّ هؤلاء يجب قتلهم حتماً ما لم يرجعوا إلى ما خرجوا
عنه، لا يجوز أن يعقد لهم ذمّة، ولا هدنة أمان، ولا يطلق أسيرهم، ولا يفادى .
بممال ولا رجال ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ، ولا يسترقون مع بقائهم على
الردّة بالإتفاق ويقتل من قاتل منهم ، ومن لم يقاتل كالشيخ الهرم والأعمى والزمن
باتفاق العلماء وكذا نساؤهم عند الجمهور . والكافر الأصلي يجوز أن يعقد له أمان و
هدنة ، ويجوز المنّ عليه والمفاداة به إذا كان أسيراً عند الجمهور ، ويجوز إذا كان
كتابياً أن يعقد له ذمّة ، ويؤكل طعامهم ، وتنكح نساؤهم ، ولا تقتل نساؤهم إلاّ أن
يقاتلن بقول أو عمل باتفاق العلماء . وكذلك لا يقتل منهم إلاّ من كان من أهل
القتال عند جمهور العلماء ، كما دلّت عليه السنّة . فالكافر المرتد أسوأ حالاً فى
الدّين والدنيا من الكافر المستمرّ على كفره . وهؤلاء القوم فيهم من المرتد ما لا
يحصى عددهم إلاّ الله . فهذان صنفان .
(3)
وفيهم أيضاً من كان كافراً فأنتسب إلى الإسلام ولم يلتزم شرائعه من إقامة الصلاة ،
وإيتاء الزكاة ، وحجّ البيت ، والكفّ عن دماء المسلمين وأموالهم ، والتزام الجهاد
فى سبيل الله ، وضرب الجزية على اليهود والنصارى وغير ذلك . وهؤلاء يجب قتالهم
بإجماع المسلمين كما قاتل الصديق مانعي الزكاة ، بل هؤلاء شرّ منهم من وجوه . وكما
قاتل الصحابة أيضاً مع أمير المؤمنين - علي رضي الله عنه - الخوارج بأمر رسول الله
صلى الله عليه وسلم، حيث قال فى وصفهم : (( تحقرون صلاتكم مع صلاتـهم وصيامكم مع
صيامهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من
الرمية ، أينما لقيتموهم فاقتلوهم ، فإنّ فى قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم
القيامة )) وقال : (( لو يعلم الذين يقاتلون ماذا لـهم على لسان محمد صلى الله
عليه وسلم لنكلوا عن العمل ))
وقال
: (( هم شرّ الخلق والخليقة ، شرّ قتلى تحت أديم السماء ، خير قتلى من قتلوه )) .
فهؤلاء مع كثرة صيامهم وصلاتـهم وقراءتـهم . أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم
وقاتلهم أمير المؤمنين عليّ وسائر الصحابة الذين معه ، ولم يختلف أحدٌ فى قتالهم ،
كما اختلفوا فى قتال أهل البصرة والشام لأنّهم كانوا يقاتلون المسلمين . فإنّ
هؤلاء شرّ من أولئك من غير وجه وإن لم يكونوا مثلهم فى الاعتقاد ، فإنّ معهم من
يوافق رأيه فى المسلمين رأي الخوارج. فهذه ثلاثة أصناف .
(4) وفيهم صنف رابع شرّ
من هؤلاء وهم قوم ارتدّوا عن شرائع الإسلام وبقوا مستمسكين بالانتساب إليه .
فهؤلاء الكفّار المرتدّون والداخلون فيه من غير التزام لشرائعه والمرتدّون عن
شرائعه لا عن سمته : كلّهم يجب قتالهم بإجماع المسلمين حتى يلتزموا شرائع الإسلام
وحتى لا تكون فتنة ويكون الدّين كلّه لله ، وحتى تكون كلمة الله التي هي كتابه وما
فيه من أمره ونهيه وخبره - هي العليا . هذا إذا كانوا قاطنين فى أرضهم ، فكيف إذا
استولوا على أراضى الإسلام من العراق وخرا سان ، والجزيرة ، والروم ، فكيف إذا
قصدوكم وصالوا عليكم بغياً وعدواناً ﴿ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانـهم ،همـوا بإخراج
الرسول ، وهم بدؤكم أول مرّة . أتخشونهم فالله أحقّ أن تخشونه إن كنتم مؤمنين .
قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ، ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب
غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم﴾ . وأعلموا - أصلحكم الله -
أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه من وجوه كثيرة أنّه قال : (( لا تزال
طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ لا يضرّهم من خذلهم ، ولا من خالفهم ، إلى قيام
الساعة )) وثبت: "أنّهم بالشام" فهذه الفتنة قد تفرّق النّاس فيها ثلاثة
فرق : الطائفة المنصورة : وهم المجاهدون لهؤلاء القوم المفسدين . والطائفة
المخالفة : وهم هؤلاء القوم ومن تحيّز إليهم من خبالة المنتسبين إلى الإسلام .
والطائفة المخذّلة : وهم القاعدون عن جهادهم، وإن كانوا صحيحي الإسلام . فلينظر
الرجل أن يكون من الطائفة المنصورة أم من الطائفة المخالفة أم من الطائفة المخذلة
؟؟ فما بقى قسم رابع. : وقال: "والله لو كان السابقون الأوّلون من المهاجرين
والأنصار - كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم، حاضرين فى هذا الزمان، لكان من
أفضل أعمالهم جهاد هؤلاء القوم المجرمين"(إهـ )
وجاء
فى فتاوى الإمام أيضاً ( فى المجلّد : 28 ص :501 ) " ما تقول الفقهاء أئمة
الدّين فى هؤلاء التتار الذين قدموا سنة تسع وتسعين وستمائة وفعلوا ما اشتهر من
قتل المسلمين، وسبي بعض الذرارى، والنهب لمن وجدوه من المسلمين وهتكوا حرمات
الدّين من إذلال المسلمين وإهانة المساجد، لا سيما [بيت المقدس ] وأفسدوا فيه،
وأخذوا من أموال المسلمين وأموال بيت المال الحمل العظيم ، وأسروا من رجال
المسلمين الجمّ الغفير وأخرجوهم من أوطانهم . و أدّعوا مع ذلك التمسك بالشهادتين ،
وادّعوا تحريم قتال مقاتلتهم لما زعموا من أتباع أصل الإسلام ولكونهم عفوا عن
استئصال المسلمين . فهل يجوز قتالهم أو يجب ، وأيما كان فمن أيّ الوجوه جوازه أو
وجوبه ، أفتونا مأجورين؟؟.
فأجاب
: الحمد لله . كلّ طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة
المتواترة من هؤلاء القوم وغيرهم فإنّه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه ، وإن كانوا
مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه كما قاتل أبو بكر الصدّيق والصحابة
رضى الله عنهم مانعي الزكاة . وعلى ذلك اتّفق الفقهاء بعدهم بعد سابقة مناظرة عمر
لأبى بكر رضي الله عنهم على القتال على حقوق الإسلام ، عملاً بالكتاب والسنّة .
وكذلك ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج ، وأخبر
أنّهم شرّ الخلق والخليقة ، مع قوله: ((تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم))
فعلم أنّ مجرّد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقط للقتال .
فالقتال واجب حتى يكون الدّين كلّه لله وحتى لا تكون فتنة . فمتى كان الدّين لغير
الله فالقتال واجبٌ . فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات أو الصيام أو
الحجّ أو عن التزام تحريم الدّماء والأموال والخمر والزنا والميسر أو عن نكاح ذوات
المحارم أو عن التزام جهاد الكفار أو ضرب الجزية على أهل الكتاب ، وغير ذلك من
واجبات الدّين ومحرّماته - التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها - التي يكفر الجاحد
لوجوبها فإنّ الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرّة بها . وهذا مما لا أعلم
فيه خلافاً بين العلماء . وإنّما اختلف الفقهاء فى الطائفة الممتنعة إذا أصرّت على
ترك بعض السنن كركعتي الفجر والآذان والإقامة - عند من لا يقول بوجوبها - ونحو ذلك
من الشعائر . هل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا ؟ فأمّا الواجبات
والمحرّمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها . وهؤلاء عند المحققّين من
العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام أو خارجين عن طاعته ، كأهل الشام
مع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه . فإنّ أولئك خارجون عن طاعة إمام
معين . أو خارجون عليه لإزالة ولايته . وأمّا المذكورون فهم خارجون عن الإسلام ،
بمنزلة مانعي الزكاة وبمنزلة الخوارج الذين قاتلهم عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه
. ثمّ قال : " فإذا تقرّرت هذه القاعدة فهؤلاء القوم المسؤول عنهم عسكر هم
مشتمل على قوم كفّار من النصارى والمشركين ، وعلي قوم منتسبين إلى الإسلام - وهم
جمهور العسكر - ينطقون بالشهادتين إذا طلبت منهم ، ويعظّمون الرّسول وليس فيهم من
يصلّي إلاّ قليلٌ جدّاً ، وصوم رمضان أكثر فيهم من الصلاة، والمسلم عندهم أعظم من
غيره. وللصالحين من المسلمين عندهم قدر، وعندهم من الإسلام بعضه وهم متفاوتون فيه
لكنّ الذين علبه عامتهم والذي يقاتلون عليه متضمن لترك كثير من شرائع الإسلام أو
أكثرها ، فإنّهم ( أولاً ) يوجبون الإسلام ولا يقاتلون من تركه ، بل من قاتل على
"دولة المغول" عظموه وتركوه وإن كان كافراً عدوّاً لله ورسوله وكلّ من
خرج عن "دولة المغول" أو عليها استحلّوا قتاله وإن كان من خيار المسلمين،
فلا يجاهدون الكفّار ولا يلزمون أهل الكتاب بالجزية والصغار ولا ينهون أحداً من
عسكر هم أن يعبد ما شاء من شمس أو قمر أو غير ذلك . بل الظاهر من سيرتهم أنّ
المسلم عندهم بمنزلة العدل أو الرجل الصالح أو المتطوع فى المسلمين . والكافر
عندهم بمنزلة الفاسق فى المسلمين أو بمنْزلة تارك التطوع. وكذلك أيضاً عامتهم لا
يحرّمون دماء المسلمين وأموالهم إلاّ أن ينهاهم عنها سلطانهم أي لا يلتزمون تركها،
وإذا نهاهم عنها أو عن غيرها أطاعوه لكونه سلطاناً لا بمجرّد الدّين . وعامتهم لا
يلتزمون أداء الواجبات لا من الصلاة ولا من الزكاة ولا من الحجّ ولا غير ذلك ولا
يلتزمون الحكم بينهم بحكم الله ، بل يحكمون بأوضاع لهم توافق الإسلام تارة وتخالفه
أخري . وإنّما كان الملتزم لشرائع الإسلام " الشيز برون " وهو الذي أظهر
من شرائع الإسلام ما استفاض عند النّاس . وأمّا هؤلاء فدخلوا فيه وما التزموا
شرائعه . وقتال هذا الضرب واجب بإجماع المسلمين وما يشكّ في ذلك من عرف دين الإسلام
وعرف حقيقة أمرهم . فإنّ هذا السلم الذي هو عليه ودين الإسلام لا يجتمعان أبداً .
وإذا
كان الأكراد والأعراب وغيرهم من أهل البوادي الذين لا يلتزمون شريعة الإسلام يجب
قتالهم وإن لم يتعد ضرر هم إلى أهل الأمصار فكيف بهؤلاء . نعم يجب أن يسلك في
قتالهم المسلك الشرعي من دعائهم إلى التزام شرائع الإسلام إن لم تكن الدعوة الى
الشرائع قد بلغتهم ، كما كان الكافر الحربي يدّعي أولاً إلى الشهادتين إن لم تكن
الدعوة قد بلغته.
وجاء
أيضاً في الفتاوى (في المجلّد 28 ص: 509) أنّه سئل عن هؤلاء التتار الذين يقدمون
إلى الشام مرّة بعد المرّة وتكلّموا بالشهادتين وانتسبوا إلى الإسلام ولم يبقوا
على الكفر الذي كانوا عليه فى أوّل الأمر . فهل يجب قتالهم أم لا ؟ وما الحجّة على
قتالهم ؟ .. إلخ ( فى سؤال طويل ) .
فأجاب
: الحمد لله ربّ العالمين . نعم يجب قتال هؤلاء بكتاب الله وسنة رسوله واتّفاق
أئمة المسلمين . وهذا مبنيّ على اصلين :
(
أحدهما ) : المعرفة بحالهم .
(
و الثاني ) : معرفة حكم الله في أمثالهم .
فأمّا
الأول فكلّ من باشر القوم يعلم حالهم ، ومن لم يباشرهم يعلم ذلك بما بلغه من
الأخبار المتواترة وأخبار الصادقين . فتكلّم الإمام ( ابن تيمية ) عن الأصل الثاني
( أولاً ) وهو معرفة حكم الله فى أمثالهم .. فاستدلّ على قتالهم بالأدلّة الآتية :
( 1 ) قوله تعالى:
﴿وَقَتَلُوْهُمْ
حَتَىْ لاْ تَكُوْنَ فِتْنَةٌ وَيَكُوْنُ اُلْدِّين كُلُّهُ لله﴾ قال : فإذا كان
بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كلّه لله .
( 2 ) قوله تعالى:
﴿يَاْءَيُهَاْ
الَّذِيْنَ آمَنُوا اتَّقُوا اُلله وَذَرُوْا مَاْ بَقِيَ مِنَ الْرِّبَاْ إِنْ
كُنْتُمْ مُؤْمِنِيْنَ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ الله وَ
رَسُوْلِهِ﴾ قال : وهذه الآية نزلت فى أهل الطائف كانوا قد أسلموا وصلّوا وصاموا
لكن كانوا يتعاملون بالريا فأنزل الله هذه الآية . قال : والربا آخر المحرّمات فى
القرآن ، وهو مال يوخذ بتراضي المتعاملين . فإذا كان من لم ينته عنه محارباً لله
ورسوله فكيف بمن لم ينته عن غيره من المحرّمات التي هي أسبق تحريماً وأعظم تحريماً
.
( 3 ) أحاديث القتال للخوارج:
قال:
"وقد استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم الأحاديث بقتال الخوارج ، وهي
متواترة عند أهل العلم بالحديث .
قال
الإمام أحمد: " صحّ الحديث فى الخوارج من عشرة أوجه ". وقد رواها مسلم
فى صحيحه . وروى البخاري منها ثلاثة : حديث عليّ وأبي سعيد الخدري ، وسهل بن حنيف.
وفي السنن والمسانيد طرق أخر متعددة . قال : وقد نصّ أحمد فى رواية أبي طالب فى
حرورية كان لهم سهم فى قرية فخرجوا يقتلون المسلمين فقتلهم المسلمون ، فأرضهم فئٌ
للمسلمين فيقسم خمسة على خمسة وأربعة أخماسه للذين قاتلوا يقسم بينهم أو يجعل
الأمير الخراج على المسلمين ولا يقسم مثل ما أخذ عمر السواد ووقفه على المسلمين .
فجعل أحمد الأرض التي للخوارج إذا غنمت بمنزلة ما غنم من أموال الكفّار وبالجملة
فهذه الطريقة هي الصواب المقطوع به. قال : فإنّ الأمّة متفقون على ذمّ الخوارج
وتضليلهم ، وإنّما تنازعوا فى تكفيرهم على قولين مشهورين في مذهب مالك واحمد وفى
مذهب الشافعي أيضاً نزاع فى كفرهم .
( 4 ) "مانعي الزكاة"
قال
: وممن قاتلهم الصحابة - مع إقرارهم بالشهادتين والصلاة وغير ذلك - مانعي الزكاة .
كما فى الصحيحين عن أبي هريرة أنّ عمر بن الخطاب قال لأبي بكر : يا خليفة رسول
الله كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل
الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّي رسول الله فإذا قالوها عصموا منّي
دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها)). فقال له أبو بكر : ألم يقل لك " إلاّ بحقّها
" فإنّ الزكاة من حقّها . والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها . قال عمر : فما هو إلاّ أن رأيتُ أنّ
الله قد شرح صد ر أبى بكر للقتال ، فعلمت أنّه الحقّ . وقد اتّفق الصحابة والأمة
بعدهم على قتال مانعي الزكاة ، وإن كانوا يصلّون الخمس ويصومون شهر رمضان . وتكلّم
الإمام عن الأصل الآخر . فقال : " وأما الأصل الآخر وهو معرفة أحوالهم فقد
علم أنّ هؤلاء القوم جازوا على الشام فى المرّة الأولى : عام تسعة وتسعين وأعطوا
الناس الأمان ، وقرؤوه على المنبر بدمشق ومع هذا فقد سبوا من ذرارى المسلمين ما
يقال إنّه : مائة ألف أو يزيد عليه . وفعلوا ببيت المقدس وبحبل الصالحية ونابلس
وحمص وداريا وغير ذلك من القتل والسبي ما لا يعلمه إلاّ الله ، حتى يقال إنّهم
سبوا من المسلمين قريباً من مائة ألف . وجعلوا يفجرون بخيار نساء المسلمين فى
المساجد وغيرها ، كالمسجد الأقصى والأموي وغيره . وجعلوا الجامع الذي بالعقيبة
دكاً . " ولم يكن معهم فى دولتهم إلاّ من كان من شرّ الخلق . إمّا زنديق
ومنافق لا يعتقد دين الإسلام فى الباطن ، وإمّا من هو من شرّ أهل البدع كالرافضة
والجهمية والاتحادية ونحوهم . وإما من هو من أفجر الناس وأفسقهم . وهم فى بلادهم
مع تمكنهم لا يحجّون البيت العتيق ، وإن كان فيهم من يصلّى ويصوم فليس الغالب
عليهم أقام الصلاة ولا إيتاء الزكاة . " وهم يقاتلون على ملك ( جنكز خان )
فمن دخل فى طاعتهم جعلوه وليّاً لهم وإن كان كافراً ومن خرج عن ذلك جعلوه عدوّاً
لهم وإن كان من خيار المسلمين . ولا يقاتلون على الإسلام ولا يضعون الجزية والصغار.
"بل غاية كثير من المسلمين منهم من أكابر أمرائهم ووزرائهم أن يكون المسلم
عندهم كمن يعظمونه من المشركين من اليهود والنصارى كما قال أكبر مقدميهم الذين
قاموا الى الشام وهو يخاطب رسل المسلمين ويتقرّب إليهم بأنّا مسلمون . فقال هذان
آيتان عظيمتان جاءا من عند الله : محمد وجنكز خان : فهذا غاية ما يتقرب به اكبر
مقدميهم إلى المسلمين أن يسوّى بين رسول الله وأكرم الخلق عليه وسيد ولد آدم وخاتم
المرسلين ، وبين ملك كافر مشرك من أعظم المشركين كفراً وفساداً وعدواناً من جنس
بختنصر وأمثاله . وقال : " فهم يدّعون دين الإسلام ويعظمون دين أولئك الكفّار
على دين المسلمين ،ويطيعونهم ويوالونهم أعظم بكثير من طاعة الله ورسوله وموالاة
المؤمنين . والحكم فيما شجر بين أكابرهم بحكم الجاهلية لا بحكم الله ورسوله .
وكذلك الأكابر من وزرائهم وغيرهم يجعلون دين الإسلام كدين اليهود والنصارى ، وأنّ
هذه كلّها طرق إلى الله بمنزلة المذاهب الأربعة عند المسلمين . ثم منهم من يرجح
دين اليهود أو دين النصارى ومنهم من يرجح دين المسلمين . وهذا القول فاش غالب فيهم
حتى فى فقهائهم وعبّادهم لا سيما الجهمية من الإتحادية الفرعونية ونحوهم ، فإنّه
غلبت عليهم الفلسفة . وقال: "ومعلوم بالإضطرار من دين المسلمين أنّ من سوّغ
أتباع غير دين الإسلام أو أتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم: فهو
كافرٌ وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب . قال : " وقد قسموا
الناس أربعة أقسام : "يال" و "باع" و "داشمند" و
"طاط" أي صديقهم وعدوهم والعالم والعامي - فمن دخل فى طاعتهم الجاهلية
وسنتهم الكفرية كان صديقهم ، ومن خالفهم كان عدوهم ولو كان من أنبياء الله ورسله
وأوليائه . وكلّ من انتسب إلى علم أو دين سموه " داشمند " كالفقيه
والزاهد والقسيس والراهب ودنان اليهود والمنجم والساحر والطبيب والكاتب والحاسب ،
فيدرجون فى هذا من المشركين وأهل الكتاب وأهل البدع ما لا يعلمه إلاّ الله ويجعلون
أهل العلم والإيمان نوعاً واحداً . بل يجعلون القرامطة الملاحدة الباطنية الزنادقة
المنافقين كالطوسى وأمثاله ، هم الحكّام على جميع من انتسب إلى علم أو دين من
المسلمين واليهود والنصارى . وكذلك وزيرهم السفيه الملقب بالرّشيد يحكم على هذه
الأصناف ويقدم شرار المسلمين كالرافضة والملاحدة على خيار المسلمين أهل العلم
والإيمان حتى تولّى قضاء القضاة من كان أقرب إلى الزندقة والإلحاد والكفر بالله
ورسوله بحيث تكون موافقته للكفّار والمنافقين من اليهود والقرامطة والملاحدة
والرافضة على ما يريدونه أعظم من غيره . ويتظاهر من شريعة الإسلام بما لا بدّ له
منه لأجل من هناك من المسلمين . حتى إنّ وزيرهم هذا الخبيث الملحد المنافق صنف
مصنّفاً مضمونه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم رضي بدين اليهود والنصارى وأنّه لا
ينكر عليهم ولا يذمون ولا ينهون عن دينهم ولا يؤمرون بالانتقال إلى الإسلام ,
واستدلّ الخبيث الجاهل . بقوله : ﴿قل ياءيهــا الكافرون - لكم دينكم ولي دينِ﴾
وزعم أنّ هذه الآية تقتضي أنّه يرضي دينهم قال : وهذه الآية محكمة ليست منسوخة
وجرّت بسبب ذلك أمور . ومن المعلوم أنّ هذا جهل منه . فإنّ قوله : ﴿لكم دينكم ولي
دينِ﴾ ليس فيه ما يقتضي أن يكون دين الكفّار حقّاً ولا مرضياً له وإنّما يدلّ على
تبرئه من دينهم. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فى هذه السورة " إنّها براءة
من الشرك".
وقال
جواباً عن حكم من يخرج من عكر المسلمين ويقف مع التتار : "وكلّ من قفز إليهم
من أمراء العسكر وغير الأمراء فحكمه حكمهم وفيهم من الردّة عن شرائع الإسلام بقدر
ما إرتدّ عنه من شرائع الإسلام . وإذا كان السلف قد سمّوا مانعي الزكاة مرتدين -
مع كونهم يصومون ويصلّون ولم يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين - فكيف بمن صار مع
أعداء الله ورسوله قاتلاً للمسمين ؟؛ مع أنّـه والعياذ بالله لو استولّى هؤلاء
المحاربون لله ورسوله على ارض الشام ومصر فى مثل هذا الوقت ، لأفضى ذلك إلى زوال
دين الإسلام ودروس شرائعه . قال : "فمن قفر عنهم إلى التتار كان أحقّ بالقتال
من كثير من التتار فإنّ التتار فيهم المكره وغير المكره. وقد استقرّت السنّة بأنّ
عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعدّدة . وقال عن حكم من يخرجه
التتار مكرهــاً : "ومن أخرجوه معهم مكرهاً فإنّه يبعث على نيته ونحن علينا
أن نقاتل العسكر جميعه إذ لا يتميّز المكره من غيره " .
وسئل
( الإمام ) عن أجناد يمتنعون عن قتال التتار ويقولون : إنّ فيهم من يخرج مكرهاً
معهم ؟
فقال
بعد أن ساق الأدلّة الدالّة على وجوب قتال التتار : "والتتار وأشباههم أعظم
خروجاً عن شريعة الإسلام من مانعي الزكاة والخوارج ومن أهل الطائف الذين امتنعوا
عن ترك الربا . فمن شكّ فى قتالهم فهو أجهل النّاس بدين الإسلام ، وحيث وجب قتالهم
قوتلوا ، وإن كان فيهم المكره باتفاق المسلمين كما قال العبّاس لمّا أسر يوم بدر :
يا رسول الله إنّي خرجتُ مكرهاً. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أما ظاهرك
فكان علينا، وأما سريرتك فإلى الله" وقال: "ونحن لا نعلم المكره ولا
نقدر على التمييز فإذا قتلناهم بأمر الله كنّا فى ذلك مأجورين ومعذورين، وكانوا
على نياتهم . وقال وهو يجيب عن : هل يقاتل التتار كما يقاتل البغاة المتأولون ؟؟
قال: "لكن من زعم أنّهم يقاتلون كما يقاتل البغاة المتأولون فقد أخطأ خطأ
قبيحاً، وضلّ ضلالً بعيداً، فإنّ أقلّ ما فى البغاة المتأوّلين أن يكون لهم تأويل
سائغ خرجوا به ولهذا قالوا: إنّ الإمام يراسلهم فإن ذكروا شبهة بينها وإن ذكروا
مظلمة أزالها . فأيّ شبهة لهؤلاء المحاربين لله ورسوله السّاعين فى الأرض فساداً
الخارجين عن شرائع الدّين . ولا ريب أنّهم لا يقولون أنّهم أقوم بدين الإسلام
علماً وعملاً من هذه الطائفة بل هم مع دعواهم الإسلام يعلمون أنّ هذه الطائفة أعلم
بالإسلام منهم وأتبع له منهم وكلّ من تحت أديم السماء من مسلم وكافر يعلم ذلك .
وهم مع ذلك ينذرون المسلمين بالقتال .. فأمتنع أن تكون لهم شبهة بيّنة يستحلّون
بها قتال المسلمين .. كيف وهم قد سبوا غالب حريم الرعية الذين لم يقاتلوهم ؟؟ حتى
أنّ الناس قد رأوهم يعظمون البقعة ويأخذون ما فيها من الأموال ويعظمون الرجل
ويتبركون به ويسلبونه ما عليه من الثياب ويسبون حريمه ويعاقبونه بأنواع العقوبات
التي لا يعاقب بها إلاّ أظلم الناس وأفجر هم . والمتأوّل تأويلاً دينياً لا يعاقب
إلاّ من يراه عاصياً للدّين . وهم يعظمون من يعاقبونه فى الدّين ويقولون : إنّه
أطوع لله منهم فأيّ تأويل بقى لهم ؟؟ ثم لو قدر أنّهم متأوّلون لم يكن تأويلهم
سائغاً ، بل تأويل الخوارج ومانعي الزكاة أوجه من تأويلهم .. أمّا الخوارج فإنّهم
إدّعوا إتباع القرآن وأنّ من خالفه من السنّة لا يجوز العمل به وأما مانعوا الزكاة
فقد ذكروا أنّهم قالوا : إنّ الله قال لنبيّه: ?خذ من أموالهم صدقة? وهذا خطاب
لنبيّه فقط. فليس علينا أن ندفعها لغيره. فلم يكونوا يدفعونها لأبي بكر ولا
يخرجونها له . والخوارج لهم علم وعبادة وللعلماء معهم مناظرات كمناظرتهم مع
الرافضة والجهمية وأما هؤلاء فلا يناظرون على قتال المسلمين فلو كانوا متأولين لم
يكن لهم تأويل يقوله ذو عقل . وقد خاطبني بعضهم أن قال : ملكنا ملك ، ابن ملك ،
ابن ملك إلى سبعة أجداد ، وملككم ابن مولى . فقلت له آباء ذلك الملك كلّهم كفّار ،
ولا فخر بالكفّار ، بل المملوك المسلم خير من الملك الكافر قال الله تعالى : ﴿ولعبد
مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم﴾ .
فهذه
وأمثالها حججهم . ومعلوم أنّ من كان مسلماً وجب عليه أن يطيع المسلم ولو كان عبداً
ولا يطيع الكافر وقد ثبت فى الصحيح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال:
((إسمعوا وأطيعوا وإن أمّر عليكم عبدٌ حبشيٌّ كأنّ رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب
الله ودين الإسلام)) . إنّما يفضّل الإنسان بإيمانه وتقواه، لا بآبائه ولو كانوا
من بني هاشم أهل بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإنّ الله خلق الجنّة لمن أطاعه
وإن كان عبداً حبشياً، وخلق النّار لمن عصاه وإن كان شريفاً قريشياً . وقد قال
الله تعالى: ?ياءيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر أو أنثي وجعلناكم شعوبا وقبائل
لتعارفوا إنّ أكركم عند الله أتقاكم? وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال
:- (( لا فضل لعربي على عجميّ ولا لعجميّ على عربيّ ولا أسود على أبيض ولا ابيض
على أسود إلاّ بالتقوى . الناس من آدم وآدم من تراب )) . وفي الصحيحين عنه أنّه
قال لقبيلة قريبة منه : (( إنّ آل أبي فلان ليسوا بأوليائي ، وإنّ وليّ الله وصالح
المؤمنين )) فأخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ موالاته ليست بالقرابة والنسب بل
بالإيمان والتقوى . فإذا كان هذا فى قرابة الرسول، فكيف بقرابة (جنكز خان) الكافر
المشرك . وقد اجمع المسلمون على أنّ من كان أعظم إيماناً وتقوي كان أفضل ممن هو
دونه فى الإيمان والتقوى، وإن كان الأول أسود حبشيّاً والثاني علويّاً أو عباسيّاً
. م . هـ .