(4) يقولون :ـ " لماذا تحرّمون أكل ذبائح قوم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله - وإن أشركوا- ولِمَ لم تجعلوهم بمنْزِلة أهل الكتاب الذين أباح الشرع ذبائحهم مع كفرهم وقولهم [ إن الله هو المسيح ابن مريم ]"

(4) فنقول:- "الدِّين ليس بالرأي وإنما هو بالإتباع فمن فرّق الشرع بينهما لا يجوز أن نجعلهما متماثلين بآرائنا وأهوائنا. والإنسان الضالّ عن سبيل الله الذي أشرك وهو ينتسب إلى الإسلام لا بدّ من أن يكون فيه شبه بأهل الكتاب في نوع الضلال.. لقوله صلى الله عليه وسلم" لتركبنّ سنن من كان قبلكم" وقوله "لتتبعنّ سنن من كان قبلكم حذو القذّة بالقذّة" ولكن مع وجود هذا التشابه في نوع الضلال فقد فرّق الإسلام بينهما في أحكام التعامل:

[ا] أباح الإسلام طعام أهل الكتاب (أي ذبائحهم) ونكاح المحسنات من نسائهم قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [ المائدة: 5 ].

[ب] أمر الله تعالى أن تؤخذ الجزية عن أهل الكتاب إذا اختاروا الحياة في ظلّ دولة الإسلام فيكونون حينئذ آمنين في أمولهم وأنفسهم ولهم أن يزاولوا عبادتهم الدينية في كنائسهم وبيعهم وبيوتهم. وهذا التساهل في التعامل مع أهل الكتاب له أسباب ووراءه حكمة العليم الخبير , ومن ذلك:

(الأول) إنهم لم يكونوا ينتسبون إلى ملة الإسلام التي جاء بها محمد j فلم يكن كفرهم وشركهم وبدعهم محسوباً على الإسلام, فكانوا يقولون: نحن نعمل ذلك لأننا [يهود] أو لأننا [نصارى] ولسنا بمسلمين.

(الثاني) إنهم كانوا يقرؤون في كتبهم صفة النبي الأخير الذي يأتي بعد المسيح وصفة أمته وأنها أمة تحمد الله كثيراً فكان من نتيجة الإختلاط الناشئ من ذلك التساهل في التعامل أن يروا أمة الإسلام من قريب وأن يعرفوا أنها الأمة المذكورة في كتبهم فكانوا يدخلون في دين الله بسبب ذلك أمّا المرتدون عن الإسلام وهم ينتسبون إليه فكفرهم وشركهم يحسب على الإسلام لأنهم يقولون نحن على الحق الذي بعث عليه محمد صلى الله عليه وسلم فيغيرون بذلك شريعة النبي الأخير الذي لا نبي بعده والإختلاط معهم كذلك يؤدي إلى الإغترار بهم وانتشار ردتهم بين المسلمين ولذلك شدّد الإسلام في أحكام المرتدين عن الإسلام . وقال صلى الله عليه وسلم: " من بدّل دينه فاقتلوه " [ البخاري ].

وقد قاتل المسلمون في عصورهم المختلفة المرتدين المنتسبين إلى الإسلام الناطقين بالشهادتين: كمانعي الزكاة أتباع مسيلمة الكذّاب وغيره من المتنبئين والقرامطة والإسماعيلية والخرمية وبني عبيد القداح كما قاتلوا التتار في عهد الإمام [ابن تيمية] كما قاتلوا عبّاد القبور والأضرحة والأولياء في عهد الإمام [محمد بن عبد الوهاب] ولم يقل العلماء في مختلف العصور أن هذه الفرق الخارجة عن الإسلام كتابيون ويعاملون معاملة أهل الكتاب. ومن سمح الإسلام له الحياة وهو على كفره كأهل الكتاب يمكن أن يحتاج المسلمون إلى معرفة حكم ذبائحهم ومناكحتهم أمّا من أمر الإسلام بقتله فلا حاجة إلى معرفة حكم ذبيحته ومناكحته لأنه ينفّذ فيه القتل عند المقدرة عليه إلا حين تضعف قوة المسلمين, ولما قال الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ دلّ على أن طعام غيرهم من الكفّار كالوثنيين والمرتدين عن الإسلام حرام.. وقد رأينا فيما سبق كيف أفتى الإمام " ابن تيمية " بردّة الطوائف تنتسب إلى الإسلام وحرمة ذبائحهم ومناكحتهم وليس ذلك راية الخاص وإنما هو القول المتفق عليه المستند إلى الكتاب والسنة, وكل هذه الطوائف التي ذكرها لم تكن ردتهم بدأت في زمنه بل كانت كل طائف وارثة لردة القدماء وكانت امتداداً لهم فكان حكمها كحكمهم إذ لا يجوز التفريق بين متماثلين من كل وجه في الأحكام.. والذبيحة المعروضة في الأسواق لا يجوز أكلها إذا كان من سكان المدينة من لا تحلّ ذكاته حتى يعرف ذابحها..

قال " ابن قدامة " في المغني ( م 4/ص:297): والمشكوك فيه على ثلاثة أضرب: الأول : ما أصله الحظر كالذبيحة في بلد فيها مجوس وعبدة أوثان يذبحون فلا يجوز شراؤها وإن أمكن أن يكون ذابحها مسلماً لأن الأصل التحريم فلا يجوز إلاّ بيقين أو ظاهر , وكذلك إن كان فيها أخلاط من المسلمين والمجوس لم يجز شراؤها لذلك , والأصل فيه حديث عديّ بن حاتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا أرسلت كلبك فخالط كلباً لم يسمّ عليه فلا تأكل فإنك لا تدري أيهما قتله" [متفق عليه ].

وقال "الإمام النبوي" (في المجلد 9 مجموع شرح المهذب/ص:80): لو وجد شاة مذبوحة ولم ندر من ذبحها فإن كانت في بلد فيه من لا تحل ذكاته كالمجوس لم تحلّ سواء تمحضوا أو كانوا مختلطين..بالمسلمين للشكّ في الذكاة المبيحة والأصل التحريم وإن لم يكن فيهم أحدٌ حلّت.."

وقال الإمام ابن تيمية: "لا تحلّ الفروج والذبائح بالشبهات" [الفتاوى:م 32/ص: 190].. أما حديث عائشة رضي الله عنها الذي في الصحيح: "إن قوماً يأتوننا باللّحم لا ندري أَذُكِرَ اسم الله عليه أم لا, فقال صلى الله عليه وسلم: "سمّوا عليه أنتم وكلوا" وكانوا حديثي عهد بالكفر.. فهو يدل على:

(أولاً) إن الصحابة لم يكونوا يأكلون ذبائح المشركين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولأجل ذلك توقفوا عن أكل ذبائح المسلمين الذين كانوا حديثي عهد بالكفر..

(ثانياً) وجوب حسن الظن بالمسلمين وحمل أمورهم على الخير والصحة ما لم يظهر خلاف ذلك.. هذا هو ما فهمه العلماء, شرّاح الحديث, وليس الحديث دليلاً على أن ذبائح المشركين والملحدين والمرتدين حلال للمسلم إذا ذُكر هو اسم الله على اللّحم المطبوخ كما يريد أهل الإنحراف أن يقولوه لسوء فهمهم وبلادة فكرهم..

إن الذبيحة التي تحلّ للمسلم هي التي استوفت الشروط الأربعة الآتية :

 1- أن يكون ذابحها مسلماً أو كتابياً " يهودياً أو نصرانياً " بنية اللّحم لا بنية العبادة والتقرّب لغير الله ..

 2- أن يذكر اسم الله على الذبيحة..

3- أن يُذبح بآلة مشروعة..

4- أن يكون الذبح في المحلّ المشروع كاللبة أو الحلق..