( 22 ) يقولون : -
" روي أبى هريرة رضي الله عنه أنّ رسول
الله صلى
الله عليه وسلم قال :
(( قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله إذا
مات فأحرقوه ثم ذرّوا نصفه فى البرّ ونصفه فى البحر ، فو الله لئن قدر
الله عليه ليعذبنّه عذابا لا يعذبه
أحداً من العالمين .
فلما مات
الرجل فعلوا به كما أمرهم فأمر الله البرّ فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه ثم
قال : لم فعلتَ هذا ؟ قال : من خشيتك يا ربّ وأنت تعلم فغفر له فالحديث يدلّ على أن الرجل أعذر بالجهل
ولولا ذلك لكان كافراً بجحده لصفة القدرة ..
( 22
) فنقول : -
ليس فى
الحديث أنّ الرجل كان مشركاً جاهلاً
عابداً لغير الله وأنّ الله قد
أعذره بالجهل وأدخله الجنّة فلا يقاوم إذاً الأدلّة القرآنية الدالّة على أنّ المشركين الذين يعبدون
مع الله غيره يسمّون [ مشركين ] سواءً بلغتهم الرسالة أم لم تبلغهم . وسواءً كانوا
معاندين أم ضالّين يحسبون أنّهم مهتدون . ولكنّ الحديث يدلّ على أنّ الرجل كان
مؤمنا بالله موحداّ ولم يعبد مع الله غيره ، ولذلك غفر الله له
) إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ( [ النساء : 48 ]
غير أنّه
يمكن أن يستدلّ بالحديث على أنّ المؤمن لا يكفّر بجهله لصفة من صفات الله . فهل هذه القاعدة صحيحة
موافقة للأدلّة الشرعيّة ؟؟
إنّ من صفات
الله ما لا يمكن أن يكون الإنسان مؤمنا موحدا بدون معرفتها ، فمن جهل أنّ
الله [ واحدٌ ] أو أنّه [ حيّ ] أو
أنّه [ خالق الكون ] لا يمكن أن يكون مؤمناً موحداً حتى يعلم هذه الصفات فمن ذلك
تعلم أنّ هذه القاعدة ليست على إطلاقها . وهناك أيضاً صفات يمكن أن يجهلها المسلم
، ولا يكون كافراً إلاّ إذا جحدها بعد المعرفة . لأنّها تثبت بالوحي والشرع .
لقد كان
الكفّار من المشركين وأهل الكتاب يقرّون بوجود الله وأنّه خالق السماوات والأرض
وما بينهما وكانوا مع هذه المعرفة يجهلون بعض صفات الله وكانوا ينسبون إليه بنين
وبنات بغير علم . وكان اليهود يشبّهون الله بالبشر ، تعالى الله عما يقولون علوّا
كبيراً ..
وأول ما دعا
النبي صلى الله عليه وسلم المشركين إليه هو : [
شهادة أن لا إلـه إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله ] . سواءً كان أولئك المشركون
وثنيين أو أهل كتاب . وكان من مقتضى
الإقرار بالشهادتين أن لا يوصف الله إلاّ بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى
الله عليه وسلم. ولذلك كان المسلمون يسألون النبي صلى
الله عليه وسلم عن صفات الله ويعتقدون ما يخبرهم به عن الله لأنّهم
أيقنوا أنّه رسول الله يأتيه الوحي من السماء . وقد ثبت فى الصحيحين أنّ ناسا
قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا
يوم القيامة ؟؟ فقال : هل تضارون فى رؤية الشمس والقمر ليس دونهم سحاب ؟؟ قالوا:
لا . قال إنّكم ترون ربّكم كذلك .
ولما كان
كثير من صفات الله لا يمكن أن يعلمها الإنسان علم اليقين إلاّ بعد البيان الإلـهي
قيل أنّ جاهل هذه الصفات معذور بالجهل، ولا يكفر إلاّ إذا جحد بعد بلوغ الحجة .
وهذا الرجل
الذي ورد خبره فى الحديث كان مؤمناً بقدرة الله على بعث الأجساد ومؤمناً بالبعث
والحساب ولكنّه شكّ فى قدرة الله
على بعث الجسد إذا حرّق فى النّار وذرى فى الرياح ، بسبب جهلة . لأنّه إذا
كان عالماً بذلك وشكّ بعد بلوغ العلم كان كافراً رادّاً لأمر الله ولم يكن
مستحقّاً للمغفرة . وقد قال بعض العلماء : أنّ الرجل لم يكن شاكّاً وإنّما فعل ذلك
تحقيراً لنّفسه واعترافا بكثرة
ذنوبه .
وقال بعضهم:
أنّ الرجل لم يكن مالكاً لنفسه من شدّة الخوف فكان حاله يشبه حال الذي قال: من
شــدّة الفرح: (( الّلهــم أنتَ عبدي وأنــا ربـّك )) وقالوا غير ذلك . والله أعلم بالحقيقة .