مقدمة

 الحمد لله ، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين ، إما بعد فإن الإختلاف فى الدّين أمر مذموم لا يحبه الله ، لأنه يؤدّى إلى تفرق الأمة المسلمة المأمورة بالإتفاق والإئتلاف ، وذلك التفرق إذا وقع ستكون الأمة فريسة لأعدائها الحريصين على محوها من الوجود ، والله - سبحانه - يريد للأمة المسلمة أن تكون قوية مرهوبة الجانب، كى تستطيع حمل رسالة الإسلام الى كافة البشرية ، وإخراجها من الظلمات إلى النّور ، ولذلك نهاها عن التفرق فى الدّين .

قال تعالى: ﴿شرع لكم من الدّين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدّين ولا تتفرقوا فيه﴾ [ الشورى : 13 ].

وقال تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم﴾ [آل عمران: 105].

وأخطر الاختلافات و الإختلاف فى أصل الإسلام، فى العقائد ومدلول الشهادتين ونواقضهما، لأنّ هذا الإختلاف ينشأ منه أن يتبرأ البعض من بعض أو يكفّر بعضهم بعضاً، وهذا التبرّؤ والتكفير يخلق فجوة عظيمة ، وهوة فاصلة تمنع من الالتقاء والاتفاق فيما دون ذلك "الأصل" المختلف فيه من الأمور الفرعية .. ووقوع الإختلاف بين أتباع الرّسل ، أو  الرّسول الواحد فى أخذ الكتاب الواحد وفهمه "سنة" لا مفرّ من وقوعها بما فى طبيعة الإنسان من "الجهل والعدوان" ما يحول بينه وبين الإنصاف والرؤية الصحيحة.

قال تعالى: ﴿إنه كان ظلوماً جهولاً﴾ [ الأحزاب : 72 ].

﴿تلك الرّسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلّم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ، ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾ [البقرة : 253 ].  

﴿وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ [ البقرة : 213 ].

وغالبية من ضلّ عن سبيل الله إنما ضلّوا وهم يحسبون أنهم مهتدون ، لأنّ الشيطان العدوّ الماكر ، والعالم الفاسد الذي يرى البشر من حيث لا يرونه كان يغرّهم ويخدعهم ويزيّن لهم الكفر والانحراف عن سبيل الله ، فيستجيبون لندائه وهم يدّعون أنّهم على الصراط المستقيم ..

قال تعالى: ﴿كما بدأكم تعودون فريقاً هدى وفريقا حقّ عليهم الضلال إنّهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون﴾ [ الأعراف : 29- 30 ]

لما دعا "المسيح ابن مريم" عليهم السلام بنى إسرائيل الى الإسلام الحنيف وترك الشرك بالله أنكروا هذه الدعوة وكفروا برسول الله وما جاء به من عند الله .. وكانوا مع هذا الكفر يقولون " نحن من أتباع إبراهيم وموسى وداود وسليمان " .. ونحن أولى بهم ونحن " شعب الله المختار " ولن يدخل أحد الجنة غيرنا ، ولن يبلغ أحد رضى الله إلا إذا وافق طريقتنا ، وكانوا يزعمون ذلك كما حكى الله عنهم ولكنّ هناك فرقاً بين الزعم والحقيقة . ولما بعث الله محمداً e إلى الناس كافة يدعوهم إلى الإسلام الحنيف وترك الشرك بالله قالت اليهود : نحن أتباع موسى ونحن مهتدون ، وقالت النصارى : نحن أتباع المسيح ابن مريم ونحن مهتدون ، وقال المشركون العرب : نحن أتباع إبراهيم وإسماعيل ونحن من نسلهما ونحن أولى الناس بهما ونحن مهتدون ، كانوا يزعمون ذلك ولكن كان هناك فرق بين الزعم والحقيقة .. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكون من أمته من يضلّ ضلالاً يشبه ضلال اليهود والنصارى فتحقّق ذلك الخبر ووقع كثيرون فى الشرك وضلّوا عن سبيل الله وهم يحسبون أنهم مهتدون وأنهم أتباع محمد e ولكن الفرق كبير بين الزعم والحقيقة ، ومن فضل الله على هذه الأمة أن يبعث فيها من يجدّد لها أمر دينها ، فكان يظهر دائما علماء مصلحون يدعون الناس إلى الاستمساك بحبل الله المتين والإقتداء بهدى النبي e وصحابته الكرام ومن تبعهم بإحسان ، وكانوا يلاقون المحن والشدائد فى سبيل هذه الغاية ولكنّ العاقبة كانت دائما للتقوى . أما اختلاف الأتباع بعدهم وانحرافهم عن الصراط المستقيم وهم يحسبون أنهم مهتدون .. فهي سنّة جارية آخذة فى طريقها والانتساب إلى الألقاب الإسلامية الصحيحة "كأهل السنّة والجماعة ، والسلفية ، وأنصار السنّة" وما إلى ذلك لا ينفع شيئاً إذا بقى زعما كاذبا لا رصيد له من الواقع كزعم الأمم الضالّة وادّعائهم للإيمان والإحسان ودخول الجنّة وقد سجلت فى هذه الورقات أسئلة وشبهات كثيرة تأتى بطريقة متكررة من أناس يدّعون الإسلام بل "الطريقة السلفية" آلتي تتبنّى أصحّ المفاهيم فى أبواب العقائد والأحكام على السواء ولكن يخيّل إليك إذا درست أحوالهم أنهم لا يعرفون من الإسلام وعقيدة التوحيد إلا الأسماء والعناوين وأنهم ينقصهم الفهم الصحيح والتعمّق فى معرفة طريقة السلف الصالح والأئمة المجدّدين وأنهم غارقون فى بحار من الشبهات تحول بينهم وبين إدراك زبدة الرسالة النبوية واتجاهها وقد أجبت عن ذلك بقدر استطاعتي .. وأسأل الله تعالى أن يجعل عملي صوابا ولوجهه خالصاً… والحمد لله رب العالمين .