ســــنن ثابتة

كما  ان هناك سننا إلهية كونيه لا تتخلف وتجرى بمشيئه اللّه, مثل: إختلاف الليل و النهار ، و اخراج الحىّ من الميّت و اخراج الميّت من الحىّ ، ودورة  الكواكب والنجوم فى افلاكها ، ونزول القمر فى منازله ،وتعاقب الأجيال ، واستمرار الحياة بولادة الذكور وا‎‎لاٍناث. فهناك أيضاً  سنن إلهية  إجتماعية لا تتخلّف ، وتجرى فى حياة الناس بمشيئة الله. ومن هذه السنن:

 ( ا )   وجود الإيمان

الايمان  هو الفطرة التى فطر الله الناس عليها كما قال تعالى:{ فأ قم وجهك للدّين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله}

(الرو م : 30  ) 

وكما قال صلى الله عليه وسلم: (( كلّ مولود يولد على الفطرة ))  (متفق عليه)

وقد خلق الله أدم عليه السلام وزوجته مؤمنين, بل إنّ أدم (عليه السلام) كان نبيا من أنبياء الله ،ولما أسكنه اللّه الأرض وعده بأنه سينزل (الهدى) الى ذرّيته .

قال تعالى { قال اهبطوا منها جميعا فا ما  يأتينكم منى هدى فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون }  (البقرة  :38  ) .

وقد وفى الله بعهده، وكا ن  يرسل رسله كلّما  كادت معالم الحقّ ان تنطمس .

قال تعالى:{ثم أرسلنا رسلنا تترى }       ( الموءمنون:  44  ). 

 وكان اخرهم محمد صلى الله عليه وسلم أرسله الله الى البشرية كافة بعد ان تغيرت الكتب السابقة كالتوراة والانجيل  بما اصابها من التحريف واصبحت غير قابلة للاهتداء بها وكان الناس فى ذالك الوقت فى غاية الضلال والجهل . إلآ بقايا من اهل الكتاب . وقد انزل الله عليه القرآن, ووعد بحفظه من التبديل والتحريف  قال تعالى :{ انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون }

 ( الحجر : 9  ).

وقد اخبر النبى صلى الله عليه وسلم  أن وجود أهل الحق من المؤمنين سيكون مستمرا الى قبيل قيام السّاعة  . فقد جاء فى الحديث: (( لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحقّ، لايضرّهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى ياتى أمر الله وهم ظاهرون ))  (متفق عليه ) .

وقال صلى الله عليه وسلم:  ((لاتقوم الساعة  حتى لا يقال فى الارض الله الله))

( رواه مسلم  ) .

وقال صلى الله عليه وسلم: (( لا تقوم الساعة الا على شرار الخلق وهم شرّ اهل الجاهلية ))  ( الحاكم  ) .

فاذا عرفت ان وجود الايمان  "سنة ثابتة "  فانك ستعرف أن جميع الجهود  الجبّارة التى  تبذل لاٍزالة الايمان والاسلام من الوجود سوف تبوء بالفشل والخيبة .

(ب)   وجود الكفر  :

لما سجد الملائكة كلّهم لأدم عليه السلآم . امتثالا لامر الله أبى ابليس ان يكون مع الساجدين ،فصار بهذا الاٍباء  والاستكبار كافرا عدو اللّه ولكنّه سأل اللّه ان يمهله إلى قيام الساعة . فاعطاه الله ما ساله ، فقال عندئذ :{رب بما اغويتنى لازيننّ لهم فى الارض ولأغوينّهم أجمعين ,الا عبادك منهم المخلصين }  (الحجر : 39-40  ).

وقال تعالى:{لاتخذنّ من عبادك نصيبا مفروضا}   (النساء : 118).

وقال تعالى:﴿أرأيت هذا الذى كرمت علىّ لئن أخرتن الى يوم القيامة لأحتنكنّ ذرّيته الا قليلاً﴾  (الاسراء: 62).

وقد وقع ما ظنّه إبليس .

فقال تعالى: { ولقد صدق عليهم إبليس  ظنّه فا تبعوه  الا فريقا من المؤمنين } ( سبأ : 20  )

وقال تعالى:{قال تعالى:ولقد اضّل  منكم جبلا كثيرا افلم  تكونوا  تعقلون} ( يـس :  62).

وليس للمؤمن اذا ان يستغرب وجود  “الكفار”  وغلبتهم الظاهرة فى بعض الاجيال. فهذه  “سنة “ تجرى بمشيئة الله وعلمه،وانّما عليه ان يتلقى من الله الموقف الذى يقفه منهم  وطريقة تعاملة  معهم .

وقد اخبرنا الله ا نّه  قادر على الانتصار عليهم ولكنّه  يريد ان يختبر إيمان الذين قالوا “امنّا “ ففرض عليهم دخول المعركة  لملاقاة جحافل الشيطان، 

قال تعالى : { ذالك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض}  (محمد :4 ).

وقال تعالى: { فقاتلوا أولياء الشيطان انّ كيد الشيطان  كان  ضعيفا }  (النساء:  76 ).

 ( ج )    تعاقب الاسلام والجاهلية

ان عمل الشيطان هو اضلال الناس عن صراط الله المستقيم  تدريجيا ، فهو فى حياة الانبياء ونزول الوحى ، أضعف ما يكون . ولا يجد  ألىقلوب المؤمنين سبيلا. ويعجز عن تزيين الكفر والشرك والعصيان لهم ،فيكون مغلوبا فى هذه الفترة.

ويكون أولياؤه كذالك مغلوبين فى ميادين المعركة غير قادرين على كسر جيوش الإيمان.ولكنه كلّما طال الامد عليهم، بعد غيبة الأنبياء وقلّة العلماء ، استطاع ان يستميل بعضهم ويخرجهم عن الصراط- اولا  بالمعاصى والفواحش. ثم باستحلال المعاصى واستحلال مخالفة الكتاب، ثم يزدادون  مع مرور الزمن- حتى تكون لهم الغلبة الظاهرة والكلمة النافذة- فيكون اهل الإيمان مغلوبين على امرهم ويكونون قلّة تحت سلطان الكفر والجاهلية. وكان الله الرحيم يرسل رسله بعد ذالك  ليخرجوا الناس من الظلمات الى النور .فيستجيب لدعوتهم الناس فيقوى جانب الإيمان فتكون الكرة للمومنين على أعدائهم فيتضاءل الشيطان وتقلّ جنوده . ان لم يكونوا مهلكين بعذاب من الله  استأصلهم.   وهذا التعاقب بين الاسلام والجاهلية “سنة “  لا تتخلف. ولا تكون حياة أي مجتمع بشرى خارجة عن احدي هاتين الحالتين.

لقد سارت الحياة البشرية فى طريقها بعد ادم عليه السلام مهتدية عدّة قرون لايعلمها الاّ اللّه، ثم وقع الانتكاس والوقوع فى الكفر والشرك والجاهلية فارسل الله نوحا عليه السلام ، يدعوهم الى العودة الى الاسلام الأول الذى كان قبل هذه الجاهلية.

قال تعالى: { لقد ارسلنا نوحا الى قومه فلبث فيهم ألف سنة الا خمسين عا ما  فأخذهم  الطوفان وهم ظا لمون }  ( سورة العنكبوت : 14 ) .

فانتهى أمر الجاهلية  واستخلف الله المؤمنين فى الآرض بعد ان انجاهم من الطوفان { فأنجيناه واصحاب السفينة وجعلنا ها  أية للعالمين }

( العنكبوت :15).

و بعد ذلك كثر المؤمنون وعمروا الارض واصبحوا ّامما وقبائل، ثم وقعوا فى الجاهلية والخروج عن صراط الله مرّة اخرى. ولم يقصص الله تعالى علينا كل اخبار الآمم وكّل الرّسل لأنّ قصصهم مع اقوامهم متشابهة فقصّ علينا طرفا من ذالك. وسكت عن الاخرين .  اخبرنا الله انّه ارسل هودا   إلى   عاد   فكفرو به وبما جاء به من عند الله. فارسل عليهم ريحا أهلكتهم، ونجّى هودا والمؤمنين وجعلهم خلفاء الأرض .

قال تعالى : { واما عاد فاهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية ايام حسوما }  ( الحاقة:  7) .

وقال تعالى : { ولما جاء امرنا نجينا هودا والذين أمنوا معه  برحمة منا  ونجيناهم من عذاب عليظ } (هود : 58 ).

واخبرنا الله ايضا انه ارسل  صالحا    الى ثمود فكفروا به وبما جاء به من الحق  وأنّه اهلكهم بصيحة، ونجى المؤمنين مع  نبيهم صالح. وجعلهم خلفاء الأرض.    قال تعالى : { فلما جاء امرنا نجينا صالحا وا لّذين أمنوا  معه برحمة منا ومن خزي يومئذ  ان ربك هو القوى العزيز:  و أخذ  الذين ظلموا الصيحة فاصبحوا  فى دارهم  جاثمين}  (هود:66-67 ) .

و اخبرنا أيضا  قصة  شعيب   ولوط    وموسى   وغيرهم عليهم السلام- الّذين كذبوا فاهلك الله  اعداءهم الكفرة بعذاب  استأصلهم .

ثم أرسل الله تعالى رسوله الاخير  محمدا صلى الله عليه  وسلم- فكذب كما كذب الّذين من قبله من الرسل .فنصره الله على أعدائه  فهزمهم فى المعارك حتى دخلوا  فى الاسلام طائعين وكارهين.  ثم اسلمت العرب والعجم وانتشر الاسلام انتشارا واسعا . وساد  المسلمون الأرض وأصبحت  جنود إبليس ذليلة مغلوبة ، ولكن النبى صلى الله  عليه  وسلم اخبر ان سنة الله هذه فى تعاقب الاسلام والجاهلية ستكون  جارية فى طريقها،وأنه سيخرج من هذه الآمة متنبئون ومرتدون . وستدرس معالم الاسلام كما يدرس وشئ الثوب حتى لا يدرى ما صلاة ولا صيام  ولا نسك ، ولكن لا تزال  طائفة من أمته ظاهرين على الحقّ حتى  تقوم الساعة .

وفى الحديث: (( ان الله زوي لى الأرض فأريت مشارق الأرض ومغاربها وانّ ملك  أمتى سيبلغ ما زوى لى  منها ، واعطيت الكنزين الأحمر  والأبيض، وانى سالت ربى لأمتى ان لا يهلكها بسنة عامة  ولا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم  فيستبيح بيضتهم ، وان ربى قال لى : يا محمد انى اذا قضيت  قضاء  فأنه لا يرد، وإنى أعطيتك لأمتك أن لا اهلكهم بسنة  عامة  ولا اسلّط  عليهم عدوا من سوى انفسهم فيستبيح بيضتهم ولْو اجتمع  عليهم من باقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، وحتى يكون بعضهم يسبى بعضا،  وانما اخاف على امتى الأئمة المضلين .  واذا وضع السيف فى امتى  لم يرفع عنها الى يوم القيامة.  ولا تقوم الساعة حتى يلحق قبائل من امتى بالمشركين وحتى تعبد قبائل من أمتىالأوثان . وأنه سيكون فى امتى كذابون ثلاثون كلهم يزعم  أنه نبى وانا خاتم النبيين  لا نبى بعدى .   ولا تزال طائفة من امتى على الحق  ظاهرين لا يضرهم من خالفهم  حتى ياتى امر الله تعالى)) (ابو داود ،ومسلم ).

وفى الحديث: (( لاتقوم الساعة  حتى تضطرب اليات نساء دوس على ذى الخلصة)) 

قال صلى الله عليه وسلم :  ((وذو الخلصة طاغية دوس التى كانوا  يعبدون فى الجاهلية ))  ( متفق  عليه ) .

 

(  د )   الخديعة الكبرى

ان الشيطان عالم فاسد، وعدو ماكر خبيث فلم يكن يقول للامم الكثيرة الّتى اضلّها:  " تعالوا اكفروا بالله . واكفروا بنبيكم. وتبرءوا من الإسلام ،ــ ااا لم يكن يقول لهم ذالك . لانه يعلم انه طريق صعب مكشوف . لايقبله الناس .

ويعلم كذالك ان البشرية يصعب عليها ان تتبرأ من طريقة أسلافها و اّجدادها  لا سيّما اذا كان  اولئك الأجداد انبياء  تلقوا الوحى من الله . وتركوا العلم والحكمة بين الناس يتوارثها الأبناء عن الأباء .

وانما كان يبتدع لهم البدعة  ويقول لهم : هذه  حسنة،  ولا يحرمها الاسلام ، ولها منفعة عظيمة . وما الى ذالك من القول . ثم ان البدعة كانت تؤول بهم الى الشرك .

كما قال ابن عباس رضى الله عنهما . وهو يتحدث عن ضلال قوم نوح عليه السلام وكيف عبدوا  وَدًّا  وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا : قال: (( هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم  أن انصبوا إلى مجالسهم التى كانوا يجلسون فيها  أنصاباً وسمّوها بأسمائهم ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عبدت  ))    ( البخاري  ).

فمن المعروف انّ هؤلاء  الذين عبدوا الأنصاب والتماثيل  لم يكونوا يقولون :

“ نحن كفرنا بالله. وكفرنا بنبينا . وتبرأّنا من الأسلام ،وانما كانو ا كما قال الله تعالى عنهم وعن أمثالهم : {  اِنَهُمْ اِتَخَذُوْا اَلْشَيَاْطِيْنَ أَوْلِيَاْءِ مِنْ دُوْنِ اَلْلِّهِ وَيَحْسَبُوْنَ اَنَهُمْ مُهْتَدُوْنَ } (الأعراف: 30   ).

فقد أصبحوا   أولياء الشياطين،  وهم يزعمون  أنهم   حزب الله   وأولياؤه  المتقون.  وأصبحوا  كافرين   وهم بظنّون أنهم مؤمنون ، وأصبحوا خارجين عن التوحيد الذى كان أهم  تعاليم الأنبياء  وهم ينتسبون الى الأنبياء .

وقد أخبرنا الله تعالى أن شعيبا عليه السلام قال لقومه : { وَيَاْ  قَوْمِ لاْ يَجْرِمَنَكُمْ شِقَاْقِي أَنْ يُصِيْبَكُمْ مِثُلَ مَاْ أَصَاْبَ قَوْمَ  نوْحِ اَوْ  قَوْم‎َ  هُوْدٍ اَوْ  قَوْمَ صَاْلِحٍ  وَمَاْ  قَوْمُ لُوْطٍ  مِنُكُمْ  بِبَعِيْدٍ}    (  هود :  89  ) .

فيبدوا من السّياق أنهم كانوا معترفين بنبوة نوح  وهود وصالح  ولوط ، ومعترفين كذالك انّ  اقوامهم  كانوا  كفارا . ولكنّهم  كانوا  مع  ذالك واقعين تحت تاثير خديعة الشيطان الكبرى، كانوا  يظنون أنهم “ مؤمنون “ وهم ينكرون  التوحيد ، ويظنّون انهم موافقون لطريقة  رسل الله وهم يكفرون بشعيب عليه السلام ، ويشركون  بالّله  ما لم ينزل به  سلطانا .

وقد قيل إنهم كانوا من ذرّية  إبراهيم عليه السلام، فكان إنتسابهم لأنبياء الله إذا  قويا، مع كونهم من أظلم الظالمين .

وأخبرنا الله كذالك فى القرآن. أن قوم فرعون وهم من أعتى الأمم. كانوا يعترفون بنبوة يوسف عليه السلام . فجاء فى القرآن أن الرجل المؤمن قال لقوم فرعون : { وَلَقَدْ  جَاْءَكُمْ  يُوْسُفَ مِنْ قَبْلُ بِاَلْبَيِنَاْتِ فَمَاْ زِلْتُمْ فِىْ شَكٍّ  مِمَاْ  جَاْءَكُمْ بِهِ، حَتَىْ إِذَاْ هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اَلْلَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُوْلاً }

( غافر : 34  ).

كانوا يعترفون بأن يوسف عليه السلام كان نبيا رسولا ارسله الله،وكانوا مع ذالك ينكرون رسالته التى جاء بتجديدها  موسى  عليه السلام لانهم كانوا يحسبون انهم مهتدون  ، فلما تجلّت لهم الحقيقة  ورأوا الأيات وعلموا أنّ موسى  على الحقّ عاندوا وكفروا  علوا واستكبارا فاخذهم الله بعذاب الأستئصال .

وكذالك اليهود أنكروا الإسلام والتوحيد الذى جاء به المسيح عليه السلام ، وهم يحسبون أنهم مهتدون وأنهم على ملّة إبراهيم واسحاق ويعقوب وموسى عليهم السلام، ولم يدروا أنّ  عيسى عليه السلام هو على ملّة أولئك الرسل  وأنهم هم الخارجون عن الصراط المستقيم ، لأنهم كانوا  واقعين تحت تأثير  الخديعة  الكبرى .

وكذالك  النّصارى أنكروا دعوة النبى صلّى الله عليه وسلم ولم يستجيبوا له وتمسكوا بادعائهم لعيسى ، وتمسكوا بأنا جيلهم . ولم يدروا انّ  محمدا  صلى الله عليه  وسلم على  ملّة  ابراهيم  وعيسى عليهما السلام ، وأنهم هم الخارجون عن الصراط المستقيم بتاثير  ( الخديعة  الكبرى  ) .

وها نحن اليوم نرى أن هذه السنّة جارية فى طريقها  ، نرى اقواما  ينتسبون للاسلام  ويدّعون الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولكنهم  وقعوا تحت تاثير   الخديعة الكبرى، خرجوا عن الأسلام وانكروا الحكم بكتاب الله ، واستهزءوا بالمؤمنين وحاربوهم حربا عنيفة ، وأعلنوا جهرة إيمانهم بالديمقراطية  والاشتراكية والقوانين  والأديان البشرية ، يعلنون ذالك وهم يزعمون انهم  يقولون  ( لا إله إلا الله محمد رسول اللّه ) كما  قال أهل الكتاب : “لا اله الا الله موسى رسول الله “ أو  عيسى رسول الله “ وهم ينكرون رسالة الإسلام الحنيف التى جاء بها محمد  صلى الله عليه وسلم وهو موافق فيها لموسى وعيسى عليهم السلام .

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ  قال : (( لتتبعن  سنن من كان قبلكم  حذو القذّة  بالقذّة  حتى  لو دخلوا جحر  ضبّ لدخلتموه ، قالوا  يارسول الله اليهود  والنصارى ؟ قال:(( فمن ؟))  ( متفق  عليه) .

لقد  واجه النبى  صلى الله  عليه  وسلم ثلاث أمم  كافرة مشركة، منكرة للحنيفية ملّة الأنبياء ، وكل واحدة  من هذه  الأمم  كانت  تزعم أ نها  على  ملّة ابراهيم عليه  السلام، الذى أرسله الله بالحنيفية كما أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم  بها . وهم اليهود والنصارى والمشركون العرب. فانزل الله تعالى :

{ مَاْ كَاْنَ إِبْرَاْهِيْمَ يَهُوْدِياً وَلاْ نَصَرَاْنِياً  وَلَكِنَ  كَاْنَ حَنِيْفاً مُسْلِماً  وَمَاْ كَاْنَ مِنَ اَلْمُشْرِكِيْنَ} (  أل  عمران :  67  ) .

وموقف النبى  صلى الله عليه  وسلم المعروف من هذه  الأمم وهذا البيان  القرآنى والفصل الربّانى يدلّ على أن المؤمن الذى  يعرف  الفرق الذى بين الحنيفية    وبين الشرك بالله . ليس له  أن ينخدع بما  يدّعية  أهل  الشرك والضلال من  الإستقامة على  الإسلام وهم  ينكرون التوحيد والدعوة  إلى   الحنيفية   . إن المؤمن إذا  أبتلى بأ قوام ينتسبون الى ملّة الانبياء وهم يكفرون باهم ما تضمنته رسا لات الأنبياء ، عليه أن  يقتدى بهدى الأنبياء ومواقفهم  من أمثال  أولئك المنخدعين بخديعة إبليس اللّعين. أما من  كان لا يعرف الفرق الذى بين الحنيفية  و  بين  الشرك بالله  فلا  عجب  فيه  إذا  جمع  بين  الضدّين  وإنخدع  بالدعاوى  والأ كاذيب ، فان  الله  تعالى انّما  فصّل  اياته لقوم  يعلمون.

قال  تعالى : {  وَنُفَصِّلَ  اَلأَيَاْتِ  لِقَوْمِ  يَعْلِمُوْنَ }   ( التوبة :  11  ).

( هـ  )    بروز الشياطين 

ومن السنن الثابتة . أن يقف  القادة  والرّؤساء  الذين يملكون  السّلطة  وإصدار الأوامر  والنواهى للأمم الضالة  فى  وجه  دعاة الحقّ  وأن  يهددوهم  بالقتل أو النفى  أو السّجن إذا  لم  يتنازلوا عن  دعوتهم ، ويندمجوا  فى أقوامهم كما  كانوا  من  قبل هذه الدعوة .

قال تعالى : {  وَكَذَاْلِكَ  جَعَلْنَاْ  لِكُلِّ  نَبِىِ عَدُواً شَيَاْطِيْنَ اَلاِنْسِ وَاَلْجِنِّ يُوْحَىِ  بَعْضُهُمْ اِلَىْ بَعْضٍ  زُخْرُفَ  اَلْقَوْلِ  غُرُوْراً وَلَوْ  شَاْءَ  رَبُكَ  مَاْ  فَعَلُوْهُ  فَذَرْهُمْ  وَمَاْ يَفَتَرُوَْنَ وَلِتَصْغىْ  إِلَيْهِ  أَفْئِدَةُ  اَلْذِيْنَ  لاْ يُؤْمِنُوْنَ بِاَلأَخِرَةٍ وَلِيَرْضُوْهُ وَلِيَقْتَرِفًوْا  مَاْهُمْ  مُقْتَرِفُوْنَ  }  (الانعام:112-113 ) .

وقال تعالى : { وَقَاْلَ  اَلْرَّسُوْلُ  يَاْرَبِ  إِنَّ  قَوْمِىْ اِتَخَذُوْا  هَذَاْ اَلْقُرَآنَ مَهْجُوْراً  وَكَذَاْلِكَ  جَعَلْنَاْ لِكُلِ نَبِىِّ  عَدُواٍ  مِنَ  اَلْمُجْرِمِيْنَ وَكَفَىْ  بِرَبِكَ  هَاْدِياً  وَنَصِيْراً } (الفرقان : 30-31  ) .              

وقال تعالى :{  وَكَذَاْلِكَ  جَعَلْنَاْ فِىْ كُلِ  قَرِيَةٍ  أَكَاْبِرَ  مُجْرِمِيْهَاْ  لِيَمْكُرُوْا  فِيْهَاْ وَمَاْ  يَمْكُرُوْنَ إلا َِبأَنْفُسِهُمْ  وَمَاْ  يَشْعُرُوْنَ  } ( الانعام :  132 ) .

وقال  تعالى : { وَمَاْ أَرْسَلْنَاْ  فِىْ  قَرِيَةِ مِنْ نَذِيْرَ إِلاْ  قِاْلَ  مُتْرَفُوْهَاْ إِنَاْ بِمَاْ  أَرْسَلْتُمْ  ِبِه  كَاْفِرُوْنَ . وَقَاْلُوْا  نَحْنُ  أَكْثَرُ  أَمْوَاْلاً  وَأَوَلاْداً وَمَاْ  نَحْنُ  بَمُعَذَبِيْنَ }  ( سبأ: 34-35).

 

وقال  تعالى :{ قَاْلُوْا لَئِنَ لَمْ  تَنْتَهِ  يَاْنُوْحُ لَتَكُوْنَنَ مِنَ اَلْمَرْجُوْمِيْنَ }

( الشعراء : 116).

وقال تعال:{ قَاْلُوْا  اُبْنُوْا لَهُ  بُنْيَاْناً  فَأَلْقُوْهُ فِىْ اَلْجَحِيْمِ} ( الصافات : 97). وقال  تعالى : { قَاْلُوْا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ ُيَاْلُوْطُ  لَتَكُوْنَنَّ  مِنَ  اَلَمُخْرَجِيْنَ } (الشعراء:167 ).

وقال  تعالى : { قَاْلَ لَئِنْ اِتَخَذْتَ اِلَهاً غَيْرِى لأَجْعَلَنَكَ مِنَ  اَلْمَسْجُوْنِيْنَ} (الشعراء : 29)  

وأولئك  الأكابر  من  المجرمين يعرفون  كيف يصرفون  " العامة  "  عن  الاستماع الى  الحقّ  وكيف  يفسدون القلوب ، يقولون  لّهم   " أن  هذه  الدّعوة  يراد من  ورائها الإستيلاء  على  السلطة . وقلب  نظام  الحكم " كما  توضحه  الأيات  الاتية: { وَقَاْلَ  فِرْعَوْنُ ذَرُوْنِىْ أَقْتُلْ  مُوْسَىْ وَلِيَدْعُ  رَبَهُ إنِىْ  أَخَاْفُ أَنْ  يُبَدِلَ دِيَنُكْم  أَوْ أَنْ  يُظْهِرَ  فِىْ  اَلأَرْضِ اَلْفَسَاْدِ }

( غافر : 26  ). 

وقال تعالى: {  قَاْلَوْا  أَجِئْتَنَاْ  لِتَلْفِتَنَاْ عَمَّاْ  وَجَدْنَاْ  عَلَيْهِ أَبَاْءَنَاْ وَتَكُوْنَ  لَكُمَاْ  اَلْكِبْرِيَاْءُ فِىْ  اَلأَرْضِ  وَمَاْ  نَحْنُ  لَكُمَاْ  بِمُؤْمنِيِنْ }( يونس : 78  )

وقال تعالى: { اَتَذَرُ  مُوْسَىْ وَقَوْمَهْ لِيُفْسِدُوْا فِىْ اَلأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَاَلِهَتَكَ }  (الاعراف : 127  )

وقال تعالى: { وَاَنْطَلَقَ اَلْمَلأْ مِنْهُمْ أَنْ  امْشُوْاوَاَصْبِرُوْا عَلَىْ أَلِهَتِكُمْ إِنَ  هَذَاْ  لَشَئْ يرُاَدْ } (ص:6 ) .

ان الأنسان  الجاهل  الخالى من ا لإيمان  ضعيف  النّظر  ، وعلمه لا يتجاوز  حدود هذه  الدنيا  ، ولا يعرف قيمة  أعلى من المكاسب الدنيوية تستحق أن تبذل الجهود والأوقات فى  سبيلها ، ولا يعرف مقاما أرفع واكرم من الإستيلاء على  الملك  والسيطرة على أرواح  الناس وأبدانهم  وأموالهم .  ويرى انّ من  بلغ  هذا  المنصب بلغ  النعيم  والسرور ، لقد حجبة الشيطان عن رؤية حقيقة الدنيا وقصر عمرها  وزوالها من قريب . وحجبة  كذالك عن رؤية الجنّة ونعيمها الخالد . وكرامة أهلها  الذين لا يموتون  ولا يهرمون ولا يسقمون  ولا يبتئسون

قال تعالى:{ يعلمون  ظاهرا من الحياة الدنيا  وهم  عن  الاخرة  هم غافلون}  ( الروم : 7) . 

لعلمهم  القليل  ونظرتهم  الضيّقة  كان  أهل  الجاهلية  يصدّقون ما يقال عن رسل الله ، موسى وعيسى ، ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم  من انهم أنما يريدون   الملك   لينالوا الراحة  والمتاع .  وكل من عزم  السير فى  طريق  أولئك الرّسل لا بدّ له  من أن يقال له  شئ مما  قد قيل  للرّسل الكرام ، لأن سنّة الله  لا تتخّلف .

 

 

 

( و )    ثبات المؤمنين 

ومن سنة الله ان  يثبت أهل  الأيمان وأن يثقوا  بوعد الله  وأن لا يخشوا التهديد بالقتل  أو  النفى أو الحبس . وأن  يستمرّوا  فى  دعوة  الضالّين  إلى الهدى  غير  مبالين  بوعيد أكابر  المجرمين ، وقد  قصّ اللّه علينا فى  كتابه من  مواقف المؤمنين  ما هو  أسوة   للمؤمنين  على  مدار  التاريخ .  ومن  ذالك 

قال الله  تعالى : { واتل  عليهم نبأ نوح اذ قال  لقومه  ياقوم  إن  كان كبر عليكم  مقامى وتذكيرى بآيات الله  فعلى  الله  توكلت  فأ جمعوا  أمركم  وشركاءكم  ثم  لا يكن أمركم  عليكم غمّة  ثم  أقضوا  الى  ولا  تنظرون}   (  يونس : 71  ) .

قال  تعالى: { قالوا  ياهود  ما جئتنا ببينة  وما  نحن  بتاركى  ألهتنا  عن  قولك  وما نحن  لك  بمؤمنين . إن  نقول  الأ  إعتراك  بعض  ألهتنا  بسوء قال   إنى  أشهد  الله واشهدوا أ نّى  برىء  مما   تشركون من دونه فكيدونى  جميعا ثم لا  تنظرون أنى  توكلت  على  الله ربّى  وربّكم  ما  من  دابة  الا  هو آخذ  بناصيتها إن  ربى على  صراط  مستقيم }  (هود: 53-56) .

وقال  تعالى: { فالقى  السحرة  سجدا قالوا : آمنا بربّ  هارون و موسى قال  آمنتم  له  قبل أن  أذن لكم انه  لكبيركم الذى علّمكم  السّحر فلأقطعنّ أيد يكم  وأرجلكم  من  خلاف ولأصلبنكم  فى  جذوع  النخل  ولتعلمنّ أ يّنا  أشّد عذابا وأبقى . قالوا  لن  نؤثرك  على  ما  جاءنا  من البينات والذى  فطرنا  فاقض ما  أنت قاض إنما  تقضى هذه الحياة الدنيا . إنا  آمنا بربّنا  ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر واللّه خير وأبقى}  (طه:70-73).

وقال  تعالى : { قالوا  إنا إلى  ربنا  لمنقلبون . وما  تنقم  منا  إلأ  أن  أ منا  بأيات  ربنا لما  جاءتنا ربنا  افرغ  علينا صبرا وتوفنا  مسلمين}

(الاعراف :125-126  ).

عن خباب  بن الأرت رضى  الله  عنه قال : (( شكونا  إلى  رسول  الله  صلى  الله عليه  وسلم وهو متوسد بردة فى  ظلّ الكعبة . فقلنا :  ألا  تستنصر  لنا . ألا  تدعوا  لنا .  فقال :  قد  كان  من  قبلكم يؤخد  الرجل فيحفر  له  فى الأرض  فيجعل فيها  ثم  يؤتى  بالمنشار  فيوضع  على  راّسه  فيجعل  نصفين . ويمشط بأمشاط  الحديد  ما  دون  لحمه وعظمه ما  يصده  ذالك عن  دينه . والله  ليتمنّ الله  هذا  الأمر  حتى  يسير  الراكب  من صنعاء  إلى  حضرموت  لا يخاف إلا  الله  والذئب على  غنمه  ولكنكم  تستعجلون))  (البخارى) .

وكان  رسول  الله  صلى الله  عليه  وسلم  يرى  عمارا  وأمه  وأباه  يعذبون العذاب  الشديد فى  مكة فما  يزيد على ان يقول : صبرا آل  ياسر  انّ موعدكم الجنّة .

 

( ز )    إهلاك  المكذبين 

وعندما  يبلغ   طغيان  المجرمين وكراهيتهم  للحق  منتهاه ، ويبلغ ثبات المؤمنين  واصرارهم على  الحقّ منتهاه ، عندئذ  تاتى  سنة الله  فى  إهلاك  المجرمين وإنجاء  المؤمنين .

قال تعالى : { قالت  لهم  رسلهم  ان نحن إلاّ  بشر  مثلكم  ولكنّ  الله  يمنّ  على  من  يشاء من  عباده وما كان  لنا  أن  نا تيكم  بسلطان إلا  بإذن  الله وعلى  الله  فليتوكل المؤمنون .وما  لنا  ألا  نتوكل  على  الله  وقّد  هدانا  سبلنا  ولنصبرنّ على  ما  آذيتمونا  وعلى  الله  فليتوكل المتوكلون . وقال الذين كفروا  لرسلهم لنخرجنكم  من  أرضنا  أو  لتعودنّ  فى  ملّتنا.فاوحى  إليهم  ربهم  لنهلكنّ  الظالمين . ولنسكننكم  الأرض من بعدهم ذالك لمن خاف مقا مى  وخاف  وعيد}

( إبراهيم : 11-14  ) .

وقال تعالى :{ قال  الملأ الذين استكبروا من  قومه لنخرجنك  ياشعيب  والذين أمنوا  معك من  قريتنا أو  لتعودن فى  ملّتنا قال:  أولو كنا  كارهين. قد  إفترينا  على  الله  كذبا  إن  عدنا  فى  ملتكم  بعد  أن  نجانا  الله  منها  وما  يكون  لنا  أن  نعود  فيها  إلا  أن يشاء  الله  ربّنا  وسع  ربّنا  كل  شئ علما على  الله  توكلنا ربنا  افتح  بيننا  وبين  قومنا  بالحقّ  وانت  خير  الفاتحين . وقال  الملأ الذين كفروا من  قومه  لئن  أتبعتم  شعيبا  انكم  اذا  لخاسرون فاخذتهم الرجفة فأصبحوا فى دارهم جاثمين} ( الأعراف : 88-91). 

قال  تعالى : { ولقد  أرسلنا  من  قبلك رسلا إلى  قومهم  فجاؤهم  بالبينات  فانتقمنا من  الذين أجرموا  وكان  حقا علينا  نصر  المؤمنين }

( الروم : 47 ) .

( ح )   الإبتلاء

من سنة اللّه ، أن يبتلى المؤمنين ، وان يمحّص  صفوفهم ، وان يظهر  المنافقين والكاذبين فى  زعمهم للايمان ، رحمة لعباده المؤمنين  كى  لاينخدعوا بهم . فالإٍبتلاء  واٍن  كان  صعبا على  النفوس يعتبر رحمة  ونعمة من نعم اللّه  على  عباده المؤمنين ، ولولاه  لامتلأت  صفوفهم بالمنافقين وطلاب الدنيا .  وربما  بلغوا مراكز القيادة  والتوجيه  دون أن يشك فيهم أحد لأنهم  يتكلمون  بكلام  المؤمنين  ويعملون  ما  يشبه أعمالهم .  فجعل  اللّه  الأبتلاء  ميزانا  ومقياسا لا يخطئ . يضع  كل  فرد موضعه الحقيقى ، فيعلم  المؤمنون من  يثقون  بهم  ومن  لا يتقون بهم ، من  يتعاونون  معهم ومن  يحترزون منهم .

قال تعالى : { الم احسب الناس أن  يتركوا  أن  يقولوا  أمنا  وهم  لا يفتنون ولقد  فتنّا  الّذين  من  قبلهم فليعلمنّ الله  الذين صدقوا وليعلمنّ  الكاذبين}  (العنكبوت:1-3)

وقال  تعالى :{  ومن  النّاس  من  يقول أمنا  بالله  فاذا  أوذى فى  اللّه  جعل  فتنة  النّاس  كعذاب  اللّه  ولئن  جاء  نصر من ربّك  ليقولنّ اٍ نّا  كنّا معكم  أوليس  اللّه بأ علم  بما  فى  صدور  العا لمين . وليعلمنّ  اللّه الذين  أمنوا  وليعلمنّ المنافقين }   (العنكبوت:10-11  ) .

وقال  تعالى: {  ومن  النّاس من  يعبد اللّه  على  حرف فاٍن أصا به  خير  اطمأنّ  به  وان أصابته  فتنة انقلب  على  وجهه  خسر  الدنيا  والأخرة ذالك  هو  الخسران ا لمبين }   ( الحج : 11 ) . 

وقال تعالى : { ولنبلونّكم حتى  نعلم المجاهدين منكم  والصا برين   ونبلو أخباركم  }  ( محمد : 31  ) .

وقال  تعالى :{ام حسبتم  أن  تتركوا ولما  يعلم اللّه الذين  جا هدوا  منكم ولم  يتّخذوا  من  دون  اللّه  ولا  رسوله  ولا  المؤمنين وليجة  واللّه  خبير  بما  تعملون }  (  التوبة: 16  ) . 

وقال  تعالى : { ما  كان  اللّه  ليذر  المومنين على  ما  انتم  عليه حتى  يميز  الخبيث  من  الطّيب }  ( أل  عمران : 179 ) .

فظهر  من  الأيات   انّ  الغرض الذى  لأجله ابتلى اللّه  المؤمنين هو  تمحيص  صفهم ، واخراج  الضعفاء  والمنافقين من  بينهم . و اللّه  تعالى  بين  أنه  يبتلى  أولياءه المؤمنين  بأنواع  من  الشدائد ، كالخوف  والجوع  ونقص  الأموال والأنفس .  وملاقاة  أذى  الألسنه  والأيدى من  المشركين . 

قال  تعالى: { ولنبلونكم  بشئ  من  الخوف والجوع ونقص  من  الأموال والأنفس  والثّمرات  و بشر  الصّا برين .  الّذين  اذا أصابتهم  مصيبة  قالو  اٍنا لله  واٍنا  اٍليه  راجعون. أولئك عليهم  صلوات  من  ربهم   ورحمة واولئك هم  المهتدون  }  ( البقرة : 156- 157  ) .

وقال  تعالى : { لتبلونّ  فى  أموالكم  وأنفسكم  ولتسمعنّ  من الّذين  أوتوا  الكتاب من  قبلكم ومن  ألذين أشركوا  أذى  كثيرا واٍن  تصبروا وتتقوا فاٍنّ  ذالك  من  عزم  الأمور }   ( آل  عمران : 186).   

وقال  تعالى : { أم  حسبتم   أن تدخلوا  الجنّة   ولما  يأتكم  مثل  الّذين خلوا من  قبلكم  مسّتهم البأساء  والضرّاء  وزلزلوا حتى يقول  الرّسول والذين أمنوا  معه متى  نصر الله ألا اٍنّ نصر الله  قريب } (  البقرة : 214 ) .

وبينّ الله كذالك  أن  بسط  النعمة  والسلامة والأمن من  الابتلاء

قال تعالى : { ونبلوكم  بالشرّ  والخير  فتنة والينا  ترجعون } ( الانبياء:35  ) .

ان من  طبيعة الأنسان الذى  لم  تخالط بشاشة الأيمان قلبه . أن  يظهر  منه الفرح والفخر والبخل  ٍاذا  أسبغ  الله  عليه من  نعمه .  وأن  يظهر منه  الهلع  والجزع واليأس  عند  المكارة  والشدائد .  وهذه  من صفات  الكفار ،  وقد  نفاها اللّه   عن  المؤمنين  المصلّين . 

قال  تعالى:  {  إنّ  الاٍنسان  خلق  هلوعا  اٍذا  مسّه  الشرّ جزوعا  واٍذا  مسّه الخير  منوعا  الأ  المصلين }  ( المعارج : 19-22  ) .

ولكن  اٍذا  نزل  الاٍبتلاء بالشر يظهر  من المصلين من  يجزع  وييأس من روح اللّه  وربما  خرج  عن  الاٍسلام  جملة . وكذالك  اٍذا  نزل  الاٍبتلاء بالخير . يظهر  منهم من  يمنع  ويبخل ويفرح  بخضرة  الدنيا  الفانية ، وربما  تنكّر  لاخوانه فى اللّه  .  ومن  أدعى  الاٍيمان   وا تّصف  بصفات  الكفار فهو  لا يكون اٍلا  منافقا خالصا أو  من ضعفاء الاٍ يمان  والغرض  من  الاٍبتلاء  يكون  عندئذ قد  تحقق بمعرفة المؤ منين لأولئك المنافقين  والضعفاء المنخرطين فى  صفوفهم .

وقد  قال  صلى  الله عليه  وسلم  عن المؤمن : (( عجبا لأمر  المؤمن اٍنّ  أمره  كلّه  خير وليس  ذالك لأحد الأ للمؤمن ان  اصابته  سراء شكر فكان  خيرا  له،  وان  أصابته ضرّاء  صبر فكان  خيرا  له  ))   (مسلم) .

والجماعة  التى  يريد  اللّه لها  الخير والكرامة ، يبتليها اٍبتلاء  شديدا يزلزلهم ، وينفى  عنها  الخبث  أهل  النفاق ومرضى  القلوب .  وقد  جاء  فى الأحاديث :

(( أشد  النّاس  بلاء الأنبياء ثم  الصالحون ثم  الأمثل . فالأمثل ، يبتلى  الرجل  على  حسب  دينه فان  كان  فى  دينه صلابة  زيد  فى  بلائه ،  واٍن  كان فى  دينه  رقّة حفّف  عنه  وما  يزال  البلاء بالعبد  حتى  يمشى  على  ظهر  الأرض  ليس  عليه  خطيئة ))(الترمذي، ابن  ماجه، احمد ) .

وقال صلى الله عليه وسلم:(( ان عظم الجزاء مع  عظم البلاء ،  واٍن  اللّه تعالى  اٍذا أحب قوما  ابتلاهم  فمن  رضى فله الرضى ومن  سخط فله  السخط ))( الترمذى).وعندما  يشتدّ  البلاء  وتطول مدته  ويبطئ  النصر . يتحقق ما  أراده اللّه  من  اٍبتلائه لعباده . ويظهر  كل فرد على  حقيقته . ودرجته من  الاٍيمان . وينقسم  الأفراد الّذين  كانوا يمثّلون جماعة واحدة  قبل  الابتلاء والتمحيص الى الأقسام الأتية :

(الأول)   المؤمنون  الخلص 

وهم  الذين أخلصوا  النيّة وصدقوا  فى  العمل .  ولم  يترددوا  فى  بذل  النّفس  والمال  فى  سبيل  الله . وهم  الذين  ازدادوا  بالأبتلاءات ايمانا .  وخرجوا  من  كل  اٍبتلاء  ناجحين  لم  يزدهم  الا  اٍ يمانا  وتسليما  .  وأولئك  هم  القاعدة الصلبة  للجماعة  والعنصر  الذى  يقوم  عليه  كيانها  .   ومثال  ذالك  المهاجرون  والانصار ، أصحاب بيعة العقبة  وأهل  بدر  وأهل  بيعة الرضوان ، اٍنّهم  لم  ينهزموا  أمام  الأحزاب  :

فقال  تعالى :{ ولمّا  رأى  المؤمنون  الاحزاب قالوا :  هذا  ما  وعدنا  اللّه  ورسوله وصدق اللّه  ورسوله  وما  زادهم  اٍلا  اٍيمانا وتسليما .  من  المؤمنين   رجال  صدقوا  ما  عاهدوا  اللّه عليه  فمنهم  من  قضى  نحبه  ومنهم  من  ينتظر  وما  بدلوا  تبد يلا }  ( الاحزاب : 22-23 ) .

وهم الذين  قال اللّه  عنهم  لما بايعوا  تحت  الشجرة : { لقد رضى اللّه  عن  المؤمنين اذ  يبا يعونك  تحت  الشجرة فعلم  ما  فى  قلوبهم  فانزل السكينة عليهم وأ ثا بهم  فتحا  قريبا }  (الفتح : 18  ) .

وقال عنهم  يوم  حنين  وجهادهم  فيه : {  ويوم  حنين  اٍذ  أعجبتكم  كثرتكم فلم  تغن  عنكم  شيئًا  وضا قت  عليكم  الأرض  بما  رحبت  ثم  ولّيتم  مدبرين.  ثم  أنزل  الله  سكينته  على  رسوله  وعلى  المؤمنين  وأنزل  جنودا  لم  تروها  وعذّب  الذين  كفروا  وذالك  جزاء  الكا فرين }  (التوبة  : 25-26   ) .

وقال تعالى عنهم  فى  غزوة  العسرة  ( تبوك ):  { لقد  تاب  اللّه  على  النّبىّ  والمهاجرين  والأنصار  الّذين  اتّبعوه  فى  سا عة   العسرة  من  بعد ما كاد  يزيغ  قلوب  فريق  منهم  ثم  تاب  عليهم   اٍنّه  بهم  رؤوف  رحيم} (التوبة: 117)

وقال تعالى: { والسّابقون  الأولون  من  المهاجرين والأنصار  والّذين  اتّبعوهم   باٍحسان  رضى  اللّه  عنهم  ورضوا  عنه }  (التوبة :  100  ).

( الثاني )    ضعفاء من  غير نفاق خالص   

الأيمان  ينمو  ويقوى فى  النفوس تدريجيا حتى  يكون  قويا مكتملا راسخا .لا  تعوّقه  الشبهات  والشهوات المضلة .  فان اجتهد المسلم فى  التدبر  والتفكير  فى  ايات  الله . وداوم  على  قراءة  القرآن   وكثرة  العبادات والذكر ،  ولازم  أهل  الصلاح  والعلم فانّ  ا يمانه  يكون فى  ازدياد  ونمو  مستمر  ، وان  غفل  ولها  واشتغل  عن  القرآن والذكر وصاحب  اهل الغفلة والنفاق  فأن  ايمانه  ينقص تدريجيا ، وربما تحوّل  الى منافق  خالص  او  الى  مرتد  كافر  ،  وجاء  فى حديث عن  النبى صلى  الله  عليه  وسلم : (( والقلوب اربعة  قلب أجرد  فيه  مثل  السراج يزهر ، وقلب أغلف  مربوط بغلافه  وقلب  منكوس  وقلب مصفح. فاما  القلب الاجرد فقلب  المؤمن فسراجه  فيه  نور ، واما  القلب الأغلف  فقلب  الكافر. واما  القلب  المنكوس فقلب  المنافق الخالص عرف  الحقّ ثم  انكر ، وأما  القلب  المصفح  فقلب  فيه ايمان ونفاق  ومثل  الإيمان فيه كمثل  البقلة يمدها  الماء الطيب ،  ومثل  النفاق  كمثل  القرحة  يمدها  القيح  والدم فأى المادتين  غلبت  على  الاخرى غلبت  عليه )) (احمد).

فمن  الطبيعى اذا  ان  يكون  فى  الجماعة  ضعفاء  متفاوتون  فى  الضعف . ولكنّ  هذا الضعف كما  يبدوا  من  الحديث مرحلة  يمر  القلب  البشرى بها .   ولا بد  ان  يتجاوزها  الى  أعلى  ويكون  مؤمنا خالصا كأهل  القسم الأول ، أو  يتجاوزها  الى  اسفل فيكون منافقا  خالصا .   وتجد  فى  القرآن  والسنة والسيرة  صورا  من  الضعف البشرى  الّذى  مرّ  به  أفراد  كانوا  جادّين  فى  ايمانهم ، وكان  الله  تعالى  يدعوهم الى  الأفضل والأكمل كى  ينالوا رضى الله  و الجنة.  وفى  الغالب  لا يخلوا الاِنسان من  هذا  الضعف فى  بداية اِسلامه وكذالك اذا ولد  ونشأ فى الأسلام ،   والطريق  هو  الإهتمام بتربيتهم  ومتابعة  أحوالهم  والتعقيب على  ما  يحدث منهم مما لا  يقبله  الاِسلام .  ومما  سجله  القرآن من حالات الضعف ما  ياتى : { كما  اخرجك ربّك من بيتك بالحقّ وانّ فريقا  من  المؤمنين لكارهون . يجادلونك  فى  الحق بعدما تبيّن  كانّما  يسا قون الى  الموت وهم  ينظرون } (  الأنفال : 5-6  ) .

قال  تعالى: { ان  الذين  تولوا منكم  يوم التقى  الجمعان  انما استزلّهم  الشيطان ببعض ما كسبوا  ولقد  عفا  الله  عنهم ان  الله  غفورحليم}

( أل عمران : 155 ).

قال  تعالى: { ياأيها  الذين  أمنوا  انفقوا  من  طيبات  ما  كسبتم ومما  اخرجنا لكم  من  الأرض ولا  تيمّموا الخبيث منه تنفقون ولستم  باخذيه الا ان  تغمضوا   فيه واعلموا انّ الله غنى  حميد .  الشيطان  يعدكم  الفقر ويأ مركم  بالفحشاء والله يعدكم مغفرة  منه وفضلا  والله  واسع  عليم } ( البقرة :267-268).

وقال  تعالى: { اِذ  تلقونه  بالسنتكم  وتقولون با فواهكم ما  ليس  لكم به علم  وتحسبونه هينا  وهو  عند  الله  عظيم  } (النور : 15  ) .

وقال تعالى : { واذا  رَأَوا  تجارة أو  لهوا انفضوا  اِليها  وتركوك قا ئما قل ما  عند الله خيرٌُ من  اللّهو ومن  التجا رة والله  خير  الرازقين }

( الجمعة : 11) . 

وقال  تعالى: { وآخرون  اعترفوا  بذنوبهم خلطوا  عملا  صالحا وأخر  سيئا  عسى  الله أن  يتوب عليهم  ان  الله  غفور  رحيم  }

( التوبة :  102  ) .

وهذه  الحالات من  الضعف  البشرى كانت  تظهر  من  واقع الجماعة  المسلمة الأولى ،  وكانت  أحوال النأس  دائما فى  تحسن مستمر  بفضل  الجهود التى  كانت تبذل  فى  التربية ،  ولكن  كان  هناك  مسلمون جدد ينضمون الى  الجماعة . ويحتاجون الى مزيد من  التربية باستمرار فلم  تكن الجماعة  الاسلامية  فى  مستوى  واحد  دائما بسبب  ذالك .  وكان  ابتلاء الله المستمر  المتنوع يعمل عمله  فى  داخل الجماعة ، فيرفع  اقواما  ويضع  أخرين  .

 

(الثالث )  المنافقون

وكانوا  أقواما  تكلموا بالإسلام  ودخلوا  فى  عداد  المسلمين وهم  ليسوا فى  الحقيقة  منهم ، و اِنما  كانوا  يرعون مصالحهم الدنيوية ومراكزهم  الاجتماعية.  وكانوا ينتظرون ان  تدور  الدائرة يوما على  المسلمين كى  يتحرروا من تكاليف  الاسلام .   وقد  انزل  الله  سورا  وايات  كثيرة بشأنهم فعرّف  المؤمنين سماتهم  وما  يتميزون به عن  المؤمنين الصادقين من  صفات  وأعمال  .

والمنافقون  كانوا  على  نوعين :

(النوع  الأول) : وهم  قوم  أمنوا  بالله  ورسوله حقيقة وقد  دخل  الإيمان فى  قلوبهم،  ولكن لما  اِبتلاهم الله بالخوف والحروب والجوع ونقص الانفس والثمرات ، ارتدت قلوبهم ونافقوا وكانوا  كما  قال تعالى عنهم : {  مثلهم  كمثل  الذى  استوقد  نارا فلما  أضاءت ما  حوله ذهب الله بنورهم وتركهم  فى  ظلمات لا يبصرون . صم  بكم  عمى فهم  لا يرجعون  } ( البقرة :  17- 18  ) .

وقال  تعالى : { لا تعتذروا  قد  كفرتم بعد  ايمانكم}  (التوبة:66).

كانوا  مرتدين  قد  ارتدّت قلوبهم    وكفروا  بعد  ايمانهم  . ولكنّهم  لم  يغيروا شيئا من  ظاهرهم فظلّوا  معدودين من  المسلمين ، وان  كان  يظهر للمؤمنين عند  الشدائد والمحن منهم شئ كثير يدلّ على  نفاقهم .

(النوع  الثانى ):  وهم  قوم  اضطرّوا الى  اظهار  الاسلام  وهم  غير  مقتنعين به. رعاية للمصالح والمراكز التى  كانت  لهم فى  العشيرة  والقبيلة ،  كما  كان حال   عبدالله  بن  أبىّ  الذى  اعلن  اسلامه  بعد وقعة   بدر   وقال :

( هذا أمر  قد  توجّه) وكان  يضمر  الكيد  والشرّ  للنبى صلى الله  عليه  وسلم، ولكنّ الله تعالى ردّ كيده فى  نحره واصبح  هو وامثاله أذلاء فى  الإسلام .   وقد  امر الله  نبيه  صلى  الله  عليه  وسلم أن يجاهد  المنافقين  بالحجج والبيان:

قال  تعالى : { ياأيها  النبى  جاهد  الكفار  والمنا فقين واغلظ  عليهم ومأواهم جهنّم وبئس المصير }(التوبة:73).

وقال  تعالى : { فأ عرض  عنهم  وعظهم وقل  لهم فى  اّنفسهم  قولا  بليغا}  (النساء : 63 ) .

وقال  تعالى:{فا عرض  عنهم وتوكل  على  الله  وكفى  باللّه  وكيلا} (النساء:81)

وكان  منهم  من  يوفقه  الله  للتوبة ويتبرّأ من  النفاق  ويخلص  عمله  لله :  

قال  تعالى: { إلاّ الذين  تابوا وأصلحوا  واعتصموا  بالله  واخلصوا  دينهم  لله فأولئك  مع  المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً  عظيماَ‎ً }  ( النساء: 146 )

 

( الرابع ) :   المرتدون 

إن  الإيمان منحة إلهية والله  هو  الّذى  يهدى  من  يشاء إلى  صراطه  المستقيم، وهو  القادر  على  أن  يسلب الإيمان من  القلوب .

قال  تعالى: {والله  يهدى  من  يشاء الى صراط  مستقيم }   (البقرة : 213 )

وقال  تعالى : { ولئن  شئنا  لنذ هبنّ بالّذى  أوحينا إليك  ثم  لا تجد لك به  علينا وكيلا إلا رحمة  من ربك ان  فضله كان  عليك كبيرا } (الإسراء : 86-87 ) .

وقال  تعالى : { ويضل الله الظالمين ويفعل الله  ما يشاء }   ( إبراهيم : 27 )

وقال  تعالى : { واتل  عليهم  نبأ الذى أ تيناه أيا تنا فانسلخ  منها فأتبعه  الشيطان فكان من  الغاوين . ولو  شئنا  لرفعناه  بها ولكنه  أخلد  إلى  الأرض  واتبّع  هواه فمثله  كمثل  الكلب إن  تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذالك  مثل  القوم  الذين  كذّبوا  بآياتنا  فا قصص القصص  لعلهم  يتفكرون}  (الاعراف:175-176 )

ان  المؤمن  العارف  بالله  يخشى ان  يرتدّ  قلبه  بسبب  ذنوبه  كما  قال تعالى:

{ فليحذر  الذين يخالفون  عن  أمره أن  تصيبهم فتنة  أو  يصيبهم  عذاب  أليم }   ( النور : 63 ) . 

قال  ابن  كثير : ( ان  تصيبهم فتنة) أى فى  قلوبهم  من  كفر  أو  نفاق أو  بدعة  .

وقال  تعالى : {  واعلموا  انّ الله  يحول بين  المرء  وقلبه }  ( الانفال : 24) .  

وكان  رسول  الله  صلى  اللّه  عليه  وسلم  وهو  اعلم  المؤمنين با للّه وأتقاهم  له يقول فى  دعائه :(( اللهم يامقلب  القلوب  ثبّت  قلبى  على  دينك))  ولما سئل  . قال:((  أن  القلوب بين  أصبعين من  أصابع اللّه إن  شاء  قلبه وإن  شاء  ثبّته ))  (  الترمذي ومسلم)

وقال  نبى  الله   إبراهيم  عليه  السلام فى  دعائه : { واجنبنى وبنىّ  أن  نعبد  الأصنام }  (  إبراهيم : 35 ) .

قال  إبراهيم  التيمي : " من يأمن  البلاء بعد  إبراهيم "  ( ابن  جرير  ) .

وقد  قيل  إن  المنسلخ  عن  آيات  الله  المذكور فى  أية الأعراف  كان  رجلا من  اصحاب  موسى عالما  ثم  كفر  بعد  إيمانه .  وفى  حياة  النبى  صلى  الله  عليه  وسلم كان  هناك  من  إرتدّ  عن  الإسلام ممن  أسلم كما  دلّت عليه الأخبار  الأتية:

عن  أنس  رضى  الله  عنه قال:(( كان  رجل  نصرانيا فأسلم وقرأ  البقرة  وآل عمران ، فكان  يكتب  للنبى  صلى  الله  عليه  وسلم ، فعاد  نصرانيا . فكان  يقول:  ما  يدرى محمد إلا ما  كتبت له . فأماته الله ، فدفنوه ، فأصبح  وقد  لفظته الأرض ،  فقالوا :  هذا  فعل  محمد وأصحابه  لما  هرب منهم  نبشوا  عن صاحبنا فألقوه ،  فحفروا  له فأعمقوا ، فأصبح  وقد  لفظته  الأرض. فقالوا : هذا  فعل  محمد  وأصحابه نبشوا عن  صاحبنا لما  هرب  منهم فألقوه خارج  القبر فحفروا  له وأعمقوا  له  فى  الأرض ما  استطاعوا ، فأصبح  قد  لفظته  الأرض فعلموا أنّه  ليس  من  الناس  فألقوه  ))     ( متفق  عليه ) .

عن  ابن  عباس رضى  الله  عنهما قال : ((  كان  رجل  من  الأنصار  أسلم  ثم  إرتدّ  ولحق  بالمشركين ، ثم  ندم فأرسل  الى  قومه : أرسلوا  إلى  رسول  الله صلى  الله  عليه  وسلم  هل  لى  من  توبة ؟ فنزلت  كيف  يهدى  الله  قوما كفروا  بعد  إيمانهم  وشهدوا  أنّ الرّسول حقّ - إلى  قوله غفور  رحيم ، فأرسل إليه  قومه فأسلم)) ( النسائى  وابن جرير) .

قال  تعالى : { ولا  تكن  للخا ئنين  خصيما } .

قال  الإمام  الطبرى :  ونزلت  هذه  الآية ( فى  الخائنين الذين  ذكرهم  الله فى  قوله:  { ولا  تكن  للخا ئنين  خصيما} ،  لما  أبى التوبة من أبى منهم ، وهو ( طعمة بن الأبيرق) ولحق بالمشركين من عبدة  الأوثان بمكّة مرتدّا  مفارقا لرسول  الله  صلى  الله  عليه وسلم ودينه .  ( جامع  البيان : م 4 /278) .

وجاء  فى  سيرة  (ابن  هشام): “ وأما  عبيد الله بن جحش ، فأ قام  على ما  هو  عليه  من  الالتباس حتى  أسلم ، ثم  هاجر مع  المسلمين الى  الحبشة ومعه  أمراته (  أمّ حبيبة بنت أبى سفيان ) مسلمة فلما  قدمها تنصر وفارق  الأسلام ومات  نصرانيا “ . “  كان  عبيد الله بن  جحش - حين  تنصر - يمرّ باصحاب  رسول  الله  عليه  وسلم وهم  هناك  من  ارض  الحبشة  فيقول :  فقحنا  وصأصأ تم أى أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر  ولم  تبصروا  بعد . وخلف  رسول الله صلى الله  عليه  وسلم - بعده على  إمرأته ( أُم  حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب ) .

وعن أنس  رضى  الله  عنه: (( انّ  رسول  الله  صلى  الله  عليه  وسلم  دخل مكّة عام  الفتح وعلى  رأسه المغفر . فلمّا  نزعه جاءه  رجل فقال : اِبن  خطل متعلق  بأستار  الكعبة ،  فقال :   أقتلوه  ))  ( متفق  عليه  ).

قال  الحافظ اِبن حجر فى " فتح البارى  " هو  عبدالله بن خطل ، واِنما  أمر  صلى  الله  عليه  وسلم بقتل  إبن  خطل ، لأنه  كان  مسلما فبعثه  رسول  الله  صلى  الله  عليه  وسلم  مصدّقا وبعث  معه  رجلا من  الأنصار وكان  معه مولى يخدمه  وكان  مسلما، فنزل  منزلا فأمر المولى  ان  يذبح تيسا ويصنع  طعاما ، فنام واستيقظ ولم  يصنع  له  شيئًا ، فعدا  عليه فقتله ، ثمّ  إرتدّ  مشركا ، وكانت  له قينتان   تغنيان بهجاء رسول  الله صلى  الله عليه وسلم .

ولما توفى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقعت الردة المشهورة حيث إرتد عن الإسلام غالب من أسلم من قبائل العرب ، وكانت ردّتهم متنوعة ، فمنهم من إرتدّ إلى عبادة الأوثان والأصنام ، ومنهم من إعتقد نبوة الكذابين المتنبئين ، كمسيلمة وطليحة والأسود العنسى، (وقد قتل فى حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم ) وسجاح.ومنهم من إمتنع عن أداء الزكاة وأقرّ بالتوحيد والصلاة .وقد قضى الصحابة رضوان اللّه عليهم على هذه الفتنة المستطيرة فى مدى سنة واحدة فى الحروب المعروفة بحروب المرتدين .

 

( ط )   الاستبدال 

ومن  سنة الله . أن  يقع الاستبدال ، ومعنى  ذالك أنّ من  اِرتدّ أو نافق لا يضّر الاِسلام ، وأنّ الله يستبدل به  من هو  أفضل منه اِيمانا وأسرع إلى  الخيرات وكذالك " الجماعة  " إذا  أرتدّت  او  نافقت أو ضعفت عن  الأستقامة ، فأن  الله تعالى سياّتى  بقوم  لا  يرتدون ولا  ينافقون  ولا  يضعفون عن  الإستقامة .

قال  تعالى: { ياأيها  الذين  أمنوا  من  يرتد منكم عن  دينه فسوف  ياتى  الله بقوم يحبّهم ويحبّونه أذلة على  المؤمنين أ عزة  على  الكافرين ، يجاهدون  فى  سبيل  الله ولا  يخافون لومة لائم ، ذالك  فضل  الله يؤتيه من  يشاء والله  واسع  عليم} (المائدة : 54 ) .

وقال  تعالى: { إلا تنفروا  يعذبكم  عذابا  أليما ويستبدل  قوما غيركم ولا  تضرّوه شيئا والله  على  كل  شى قدير }  (  التوبة: 39 ) .

وقال  تعالى : {  هاأنتم  هؤلاء  تدعون لتنفقوا  فى  سبيل  الله فمنكم  من  يبخل . ومن  يبخل  فانّما  يبخل  عن  نفسه  والله  الغنى  وأنتم  الفقراء وإن  تتولّوا  يستبدل  قوما  غيركم  ثم  لا   يكونوا  أمثالكم } ( محمد :  38 ) .

وقال  تعالى : { عسى  ربّه  أن  طلقكنّ   أن  يبدله أزواجا  خيرا  منكنّ  مسلمات  مؤمنات  قانتات  تائبات عابدات  سائحات  ثيبات  وأبكارا}  (التحريم:5)

 

( ي )  التفسير  الإِسلامي  للتاريخ 

ومن  السّنن  الثابتة  التى  تعمل  فى  حياة  الجماعات ، والتى  هى وراء قيام  الدول  وقوتها وضعفها  وإنهيارها ما  بينها  الله تعالى  فى  كتابه . فأخبر :

اِنّ  الأمة اِذا أعطاها  الله  قوة وعدّدا ومكّنها  فى  الأرض . فاِنه  يريد أن  تعمل  بعهد  الله وميثاقه . وهى  تعلم  أنّها  مستخلفة  فى  الأرض وليست هى  مالكة  الملك  فلا  يحل لها اذا  ان  تشرع  الشرائع  التى  لم  يأذن الله بها  من  عند  نفسها  .

اِنّها ان  فعلت  ذالك ، وخضعت لأمر  الله ، واستقامت على موافقة أمره . فان الله  لا يقطع منها نعمه بل  يزيدها ويضاعفها لها ما  دامت  على  ذالك .

(ج) واِن  لم  تفعل  ذالك وحكمت  بهواها  وطغت  وأفسدت  فى الأرض .  فاِن  الله  سينتقم  منها  فى  الدنيا  قبل  الأخرة  ويسلّط  عليها  من  يشاء  من  عباده ، فيكونون  سببا لاّنهيارها  أو  ينزل  عليها  عذابا  من  عنده  يستاصلّها.    واِليك  الأيات  الدالة  على  ذالك :

قال تعالى : { ثم  جعلناكم  خلائف فى الأرض من  بعدهم  لننظر كيف  تعملون} ( يونس : 14 ) .

وقال  الله  تعالى : {  لقد  كان لسباّ  فى  مسكنهم أية  جنتان  عن  يمين وشمال  كلوا من  رزق ربكم  وأشكروا  له بلدة طيبة وربّ  غفور . فأعرضوا فأرسلنا عليهم  سيل  العرم وبدّلناهم  بجنتيهم  جنتين ذواتى  اّكل خمط واثل وشئ من  سدر قليل . ذالك جزيناهم بما  كفروا وهل  نجازى  إلا الكفور }   ( سبأ:15-17).

وقال تعالى: {  ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كّل مكان فكفرت بانعم  الله فأذاقها  الله لباس  الجوع  والخّوف بما كانوا  يصنعون. ولقد جاءهم رسول منهم  فكذبوه فأخذهم  العذاب وهم ظالمون}  (النحل :112-113).

وقال  تعالى : { ولو  انّ اهل القرى أمنوا وأتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن  كذبوا فأخذناهم بما  كانوا يكسبون }   (الاعراف:96).

وقال تعالى:{ولو أن أهل الكتاب أمنوا وأتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم

ولأدخلناهم جنات النعيم .ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم}  ( المائدة: 65-66).

وقال تعالى:{ لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابى لشديد} (إبراهيم: 7)

وقال تعالى: {فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناً أخرين}  (الأنعام: 6).

قال تعالى{ فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسوّاها ولا يخاف عقباها} (الشمس: 14-15).

قال تعالى:{ فقلت إستغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً } (نوح: 10-12).

وإذابلغت الدعوة الإسلامية أمة ولم تستجب لها فإن اللّه ياخذها بالمحن والشدائد كى تتوب إلى اللّه . فإن تابت كان خيراً لها وإن ثبتت على كفرها .مع الشدائد والمحن .فإن اللّه سيفتح لها أبواب الخيرات حتى إذا إستّرسلت وفرحت بالنعماء أخذها بغتة فإذا هم مبلسون .

قال تعالى:{ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخدناهم بألباساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم باسنا تضرعوا ولكن قست قلو بهم وزين لهم الشيطان ما كانوايعملون فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كلّ شىءٍ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون}  ( الأعراف :94-95)

ومعرفة سنة اللّه هذا تمنع من الإغترار بما يظهر من الدول الكافرة من الترف وأنواع الخيرات . وهم مصرّون على ضلالهم وكفرهم كما جاء فى الحديث: ((إذا رأيتم اللّه تعالى يعطى العباد ما يشاءون على معاصيهم فإنما ذلك استدراج منه لهم ثم تلا{فلمّا نسوا ما ذكروا به}     ( أحمد)